روضة السلفيين > أخبار > الأردن تحارب شبح الموت عطشا

الأردن تحارب شبح الموت عطشا


28 November 2008
تعتبر قضية نقص موارد المياه وتردي نوعيتها هي القضية البيئية الرئيسية في الأردن، والتي يتم التركيز الدائم عليها كمسألة تتعلق بالأمن القومي والاجتماعي والاقتصادي بالمقام الأول؛ لذا كان من المهم جدا العمل على توفير وحسن استخدام كل قطرة مياه موجودة فيها. هناك مشاريع صغيرة تساهم في جعل غالبية المواطنين الأردنيين يشاركون في جهود الحفاظ على المياه، وبالتالي التوعية عمليا بمشاكل المياه، والأهم من ذلك أن يكونوا طرفا في الحل.


ففي قرية عين البيضاء بمحافظة الطفيلة جنوب الأردن، يقوم مهندسون من الشبكة الإسلامية لإدارة المصادر المائية بتركيب مجموعة من أجهزة التنقية البسيطة في منازل القرية لإعادة استخدام مياه الغسيل في الزراعة.

وفي حديقة وزارة المياه والري يقوم مهندسون من مركز دراسات البيئة المبنية بزراعة نباتات تتحمل الجفاف لبناء نموذج من حدائق الندرة المائية. وفي عمان تقوم جمعية البيئة الأردنية بتوزيع نسخ من دليل إرشادي لترشيد استهلاك المياه على أئمة المساجد لإعطائهم المعلومات الكفيلة بمساعدتهم على إلقاء خطب الجمع حول توفير استخدام المياه.
أزمة مياه مزمنة
يستهلك الأردن ما مجموعه 1021 مليون متر مكعب من المياه لمختلف الأغراض، كما من المتوقع أن يرتفع الطلب على المياه إلى 1626 مليون متر مكعب عام 2020. ويصل معدل طاقة مصادر المياه المتجددة والقابلة للتطوير حوالي 780 مليون متر مكعب منها حوالي 505 ملايين متر مكعب مياه سطحية و275 مليون متر مكعب مياه جوفية، يضاف إلى ذلك مخزون مائي عذب غير متجدد في حوض الديسي في جنوب الأردن بحدود 140 مليون متر مكعب سنويا. ويتم استخدام 69% من المياه في الأردن للزراعة و27% للأغراض المنزلية (الشرب) و4% للأغراض الصناعية.

وحسب الإحصائيات الدولية يصل معدل استهلاك الفرد الأردني من المياه إلى 140 مترا مكعبا في السنة وهو أقل بكثير من خط الفقر المائي المتعارف عليه دوليا والذي يصل إلى 1000 متر مكعب سنويا، وبالطبع فإن حصة الفرد تتناقص مع الزيادة السكانية باعتبار أن موارد المياه شبه ثابتة حيث كانت تصل نسبة المياه للفرد إلى 2000 متر سنويا عام 1950.

ويبقى من أكبر مظاهر سوء الإدارة المائية في الأردن مشكلة الضخ الجائر من الآبار الجوفية، حيث يبلغ معدل الاستخراج الآمن من الأحواض الجوفية حوالي 275 مليون متر مكعب في حين بلغ مجموع الضخ منها عام 1997م 485 مليون متر مكعب وبنسبة مئوية من الاستخراج الآمن تصل إلى 225%، وهناك حوالي 400 بئر غير مرخص تضخ حوالي 25 مليون متر مكعب سنويا، أما عدد الآبار التي يزيد الضخ منها عن 100 ألف متر مكعب سنويا فيبلغ 800 بئر من أصل 1650 بئرا.

ولكن المحافظة على الموارد المائية هي في الأساس قضية سلوكية، وتحتاج إلى استجابات فعالة على مستوى المواطن والمجتمع، ولذلك فإن الكثير من المشاريع الهامة التي يتم تنفيذها في الأردن تجعل المواطن شريكا حقيقيا في عملية الحفاظ على الموارد المائية.

المياه الرمادية
يقوم مركز دراسات البيئة المبنية والشبكة الإسلامية لإدارة الموارد المائية بجهود متكاملة لتنفيذ مشروع يهدف إلى إعادة استخدام المياه الرمادية في الأبنية السكنية والخدمية على النطاقين الصغير والمتوسط، وأيضا إلى نشر المعلومات عن إعادة استخدام المياه الرمادية والمساعدة في تنفيذ بعض المشاريع المتعلقة بها.

والمياه الرمادية هي المياه الخارجة من المغاسل و"البانيوهات" والغسالات والمصارف الأرضية، وتكون نسبة تلوّثها أقل من نسبة تلوّث مياه المراحيض، وبذلك يمكن استعمالها لري النباتات أو غسل المراحيض بعد معالجة طفيفة، أو دون أي معالجة، ولكن بعد اتخاذ بعض الاحتياطات البسيطة.

إن إعادة استخدام المياه الرمادية يقلل من الطلب الإجمالي على المياه وسيوفر في قيمة فواتير المياه للمستهلك، وقد قدرت الدراسات في عدد من البلدان أن المياه الرمادية الناتجة من الاستخدام المنزلي قد توفر حوالي ۳٥٪ من إجمالي الاحتياج المنزلي للمياه.

ويشمل مشروع إعادة استخدام المياه الرمادية عدة مكونات، منها دراسة تطبيقات استخدام المياه الرمادية في بلاد متعددة، وتقييم النواحي التقنية والاجتماعية والاقتصادية لهذه التطبيقات. كذلك يبحث المشروع في العوامل الاجتماعية والاقتصادية والمناخية وغيرها من العوامل البيئية التي قد تؤثر على إعادة استخدام المياه الرمادية في الأردن. وبناء على ذلك، يقوم مركز دراسات البيئة المبنية بالتعاون مع أخصائيين أردنيين بتطوير حلول لإعادة استخدام هذه المياه تكون مناسبة للأردن. ويقدم أيضا نصائح تقنية للمساعدة في تنفيذ أنظمة لإعادة استخدام المياه الرمادية في مناطق حضرية وريفية في الأردن.

كما أن التجربة والتطبيقات العملية القائمة حاليا لفصل المياه الرمادية في كل من الأردن وفلسطين تبين أن كلفة فصل ومعالجة وإعادة استعمال المياه الرمادية متدنية، وتناسب بالتحديد الأسر ذات الدخل المتدني، مشيرا بهذا الصدد إلى أن هناك بعض الدول التي تعاني من شح في المصادر المائية.

النوادي المائية المدرسية
من أجل تعزيز مفاهيم ترشيد استهلاك المياه لدى أجيال المستقبل في الأردن تم بذل الكثير من الجهد في مجالات التوعية المائية في المدارس. فقد قامت وزارة المياه وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم بتأسيس نواد مائية توعوية، حيث تم تأسيس ناد في كل مدرسة من مدراس المملكة لتعميق مفاهيم ترشيد الاستهلاك لدى الطلبة. كل نادٍ يتألف من (5) طلاب أو طالبات بالإضافة إلى معلم معني بقضايا الحفاظ على المياه ومطلوب من كل نادٍ الإشراف المباشر على كل مرافق المياه داخل المدرسة والإشراف على صيانتها ونظافتها، وإعادة استخدام المياه لسقاية المزروعات التابعة لكل مدرسة أو إعادة استخدامها لنظافة دورات المياه، كما يعنى النادي بموضوع الحصاد المائي من خلال جمع مياه الأمطار في الخزانات.

ومن جهة أخرى تعاونت وزارتا المياه والتربية والتعليم مع الجمعية الملكية لحماية الطبيعة ومشروع الكفاءة المائية المدعوم من الوكالة الأمريكية للإنماء الدولي من أجل إدخال مفاهيم إدارة المياه والحفاظ عليها في المناهج الدراسية. وبناء على دراسات وخطط شارك بها مختصون تربويون ومائيون أصبحت المناهج المدرسية في الأردن تتضمن الكثير من المفاهيم حول المياه.

خطباء المساجد
وفي مجال مهم جدا من مجالات التوعية قدم مشروع الكفاءة المائية والتوعية بالتعاون مع جمعية البيئة الأردنية الدعم الفني والعلمي لخطباء وأئمة المساجد في الأردن لإدخال مفاهيم ترشيد استهلاك المياه في المساجد وخطب الجمعة والدروس الدينية. وتم استثمار الموروث الثقافي الديني لإيصال رسالة التوعية المائية إلى عدد كبير جدا من المواطنين الذين يستمعون بجدية وإيمان للدروس الدينية. وقام الأئمة الذين يحظون بمصداقية كبيرة في المجتمع بالتدرب على مفاهيم الحفاظ على المياه في الإسلام وإيصال هذه المفاهيم للناس واعتبرت هذه الطريقة من أنجح طرق التوعية في الأردن.

حدائق الندرة المائية
يمكن أن تكون الحديقة المنزلية جذابة، ومفعمة بالأزهار والورود والخضرة والغطاء النباتي ولكن بدون أن تستهلك كميات كبيرة من المياه. هذه هي الفكرة الرئيسية وراء حدائق الندرة المائية التي يصممها مركز دراسات البيئة المبنية في الأردن بالتعاون مع مشروع الكفاءة المائية. ويتم زراعة النباتات المقاومة للجفاف في العديد من حدائق المنازل والمؤسسات في الأردن. وبعكس الفكرة السائدة، فإن هذه النباتات ليست مجرد نباتات صحراوية باهتة وقصيرة تعطي إحساسا كئيبا بل هي نباتات مزهرة وجذابة.

ويتم زراعة هذه النباتات ضمن نظام من التنسيق الذي يتوافق مع العوامل البيئية مثل الظل والتربة وميلان الأرض بحيث يتم استثمار المياه المستخدمة في الري بشكل تام وبكفاءة عالية، وهكذا يمكن للمواطنين زراعة حدائق جذابة ومتميزة مع الحفاظ في نفس الوقت على الموارد المائية الشحيحة.

تجميع المياه المنزلية
تعاني الكثير من المجتمعات الريفية في الأردن من صعوبات الحصول على مياه الشرب الملائمة من ناحية النوعية والكمية. فمياه الشرب التي يتم ضخها عبر الشبكة البلدية تنقطع معظم أيام الشهر، وفي الصيف لا تضخ إلا مرة واحدة أسبوعيا ولساعات قليلة. وهذا ما يضع العائلات في المناطق الريفية أمام ضرورة شراء المياه بالصهاريج بتكلفة عالية.

بعض المؤسسات المانحة مثل الوكالة الألمانية للتعاون التقني GTZ وبرنامج المنح الصغيرة لمرفق البيئة العالمي قامت بتقديم الدعم للكثير من المنظمات الريفية غير الحكومية، وخاصة الجمعيات النسائية من خلال قروض دوارة للمجتمع المحلي والعائلات يتم بواسطتها بناء آبار لتجميع مياه الأمطار والحصاد المائي في الحدائق والمنازل مما يوفر كمية كافية من المياه النظيفة طوال أيام السنة للاستعمالات الزراعية والمنزلية وتقليص الحاجة لشراء المياه من الصهاريج. وقد انتشرت هذه المشاريع الصغيرة في سائر المناطق الريفية في الأردن وأثبتت نجاحا واضحا.

مع أن هذه المشاريع بشكل منفرد تمثل مجموعات صغيرة من الجهود ولكنها في النهاية تنصب معا لتشكل محصلة من النتائج الهامة في زيادة وعي المواطن بأهمية ترشيد استهلاك المياه، وتساهم في إشراك المواطن العادي في جهود الحفاظ على المياه كقضية وطنية في الأردن.