روضة السلفيين > فوائد منتقاة > أحكام لمن فاتته صلاة العيد
أحكام لمن فاتته صلاة العيد17 September 2009 |
|
قال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله في "المغني" - (ج 4 / ص 258):
( 1426 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ ، وَإِنْ أَحَبَّ فَصَلَّ بِسَلَامٍ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ ، قَامَ بِهَا مَنْ حَصَلَتْ الْكِفَايَةُ بِهِ ، فَإِنْ أَحَبَّ قَضَاءَهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ ، إنْ شَاءَ صَلَّاهَا أَرْبَعًا ، إمَّا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ وَإِمَّا بِسَلَامَيْنِ . وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ : مَنْ فَاتَهُ الْعِيدُ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا ، وَمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنْ أَمَرْت رَجُلًا أَنْ يُصَلِّيَ بِضَعَفَةِ النَّاسِ ، أَمَرْته أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا . رَوَاهُمَا سَعِيدٌ . قَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : يُقَوِّي ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ أَرْبَعًا ، وَلَا يَخْطُبُ . وَلِأَنَّهُ قَضَاءُ صَلَاةِ عِيدٍ ، فَكَانَ أَرْبَعًا كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ . وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ لِأَنَّ ذَلِكَ تَطَوُّعٌ . وَإِنْ شَاءَ صَلَّاهَا عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْعِيدِ بِتَكْبِيرٍ . نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَاخْتَارَهُ الْجُوزَجَانِيُّ . وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الْعِيدَ مَعَ الْإِمَامِ بِالْبَصْرَةِ جَمَعَ أَهْلَهُ وَمَوَالِيهِ ، ثُمَّ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ مَوْلَاهُ فَيُصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ، يُكَبِّرُ فِيهِمَا . وَلِأَنَّهُ قَضَاءُ صَلَاةٍ ، فَكَانَ عَلَى صِفَتِهَا ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ ، إنْ شَاءَ صَلَّاهَا وَحْدَهُ ، وَإِنْ شَاءَ فِي جَمَاعَةٍ . قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : أَيْنَ يُصَلِّي ؟ قَالَ : إنْ شَاءَ مَضَى إلَى الْمُصَلَّى ، وَإِنْ شَاءَ حَيْثُ شَاءَ . 1427 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ جَلَسَ مَعَهُ ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، يَأْتِي فِيهِمَا بِالتَّكْبِيرِ ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ الَّتِي لَيْسَتْ مُبْدَلَةً مِنْ أَرْبَعٍ ، فَقَضَاهَا عَلَى صِفَتِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ . وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الْخُطْبَةِ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهَا إذَا صُلِّيَتْ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا ، فَفِي خُطْبَةِ الْعِيدِ أَوْلَى ، وَلَا يَكُونُ حُكْمُهُ فِي تَرْكِ التَّحِيَّةِ حُكْمَ مَنْ أَدْرَكَ الْعِيدَ . وَقَالَ الْقَاضِي : يَجْلِسُ فَيَسْتَمِعُ الْخُطْبَةَ ، وَلَا يُصَلِّي ؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ عَنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ . وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَبْطُلُ بِالدَّاخِلِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الدَّاخِلَ بِالرُّكُوعِ ، مَعَ أَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ آكَدُ . فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ ، فَإِنَّهُ يَجْلِسُ فَيَسْتَمِعُ ، ثُمَّ إنْ أَحَبَّ قَضَى صَلَاةَ الْعِيدِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . ( 1428 ) فَصْلٌ : إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِيَوْمِ الْعِيدِ إلَّا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، خَرَجَ مِنْ الْغَدِ ، فَصَلَّى بِهِمْ الْعِيدَ . وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ . وَصَوَّبَهُ الْخَطَّابِيُّ . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَا تُقْضَى . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ عَلِمَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ كَقَوْلِنَا ، وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يُصَلِّ ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَ لَهَا الِاجْتِمَاعُ وَالْخُطْبَةُ ، فَلَا تُقْضَى بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهَا ، كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ . وَإِنَّمَا يُصَلِّيهَا إذَا عَلِمَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ؛ لِأَنَّ الْعِيدَ هُوَ الْغَدُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ ، وَعَرَفَتُكُمْ يَوْمَ تُعَرِّفُونَ } . وَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو عُمَيْرِ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا . فَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إلَى مُصَلَّاهُمْ } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى ، وَحَدِيثُ أَبِي عُمَيْرٍ صَحِيحٌ ، فَالْمَصِيرُ إلَيْهِ وَاجِبٌ . وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مُؤَقَّتَةٌ ، فَلَا تَسْقُطُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ ، كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ ، وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْجُمُعَةِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا مَعْدُولٌ بِهَا عَنْ الظُّهْرِ بِشَرَائِطَ مِنْهَا الْوَقْتُ ، فَإِذَا فَاتَ وَاحِدٌ مِنْهَا رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ . ( 1429 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْوَاحِد إذَا فَاتَتْهُ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ ، وَأَحَبَّ قَضَاءَهَا ، قَضَاهَا مَتَى أَحَبَّ . وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا يَقْضِيهَا إلَّا مِنْ الْغَدِ ، قِيَاسًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا . وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ تَطَوُّعٌ ، فَمَتَى أَحَبَّ أَتَى بِهِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ ، لِأَنَّ النَّاسَ تَفَرَّقُوا يَوْمئِذٍ عَلَى أَنَّ الْعِيدَ فِي الْغَدِ ، فَلَا يَجْتَمِعُونَ إلَّا مِنْ الْغَدِ ، وَلَا كَذَلِكَ هَاهُنَا ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى اجْتِمَاعِ الْجَمَاعَةِ . وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ هِيَ الصَّلَاةُ الْوَاجِبَةُ ، الَّتِي يُعْتَبَرُ لَهَا شُرُوطُ الْعِيدِ وَمَكَانُهُ وَصِفَةُ صَلَاتِهِ ، فَاعْتُبِرَ لَهَا الْوَقْتُ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ "انتهى من المغني . |