إستبيان


ممتاز
جيد
عادي
سيىء


روضة السلفيين » فوائد منتقاة » رأي الإمام الطحاوي في صيام السبت

رأي الإمام الطحاوي في صيام السبت

 
قال الإمام الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (ج 3 / ص 35):
" بَابُ صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ هُوَ إبْرَاهِيمُ ، قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، عَنْ أُخْتِهِ { الصَّمَّاءِ ، قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَصُومُنَّ يَوْمَ السَّبْتِ فِي غَيْرِ مَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُنَّ ، وَلَوْ لَمْ تَجِدْ إحْدَاكُنَّ إلَّا لِحَاءَ شَجَرَةٍ ، أَوْ عُودَ عِنَبٍ ، فَلْتَمْضُغْهُ } .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، فَكَرِهُوا صَوْمَ يَوْمِ السَّبْتِ تَطَوُّعًا .
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ ، فَلَمْ يَرَوْا بِصَوْمِهِ بَأْسًا .
وَكَانَ مِنْ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ ، أَنَّهُ قَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يُصَامَ قَبْلَهُ يَوْمٌ ، أَوْ بَعْدَهُ يَوْمٌ .
} وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ ، فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَالْيَوْمُ الَّذِي بَعْدَهُ ، هُوَ يَوْمُ السَّبْتِ .
فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي هَذَا ، إبَاحَةُ صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ تَطَوُّعًا ، وَهِيَ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ فِي أَيْدِي الْعُلَمَاءِ ، مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الشَّاذِّ ، الَّذِي قَدْ خَالَفَهَا .
وَقَدْ { أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ وَحَضَّ عَلَيْهِ } ، وَلَمْ يَقُلْ إنْ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ فَلَا تَصُومُوهُ .
فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ كُلِّ الْأَيَّامِ فِيهِ .
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَحَبُّ الصِّيَامِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، صِيَامُ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا ، وَيُفْطِرُ يَوْمًا } وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَفِي ذَلِكَ أَيْضًا ، التَّسْوِيَةُ بَيْنَ يَوْمِ السَّبْتِ ، وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَيَّامِ .
وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا بِصِيَامِ أَيَّامِ الْبِيضِ وَرُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا
يُونُسُ ، قَالَ : ثنا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَحَكِيمٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ ابْنِ الْحَوْتَكِيَّةِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ أَمَرَهُ بِصِيَامِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ } .
حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : ثنا حِبَّانُ ، قَالَ : ثنا حُمَامٌ ، قَالَ : ثنا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ مِلْحَانَ الْقَيْسِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ لَيَالِيَ الْبِيضِ ، ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ ، وَقَالَ هِيَ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ } وَقَدْ يَدْخُلُ السَّبْتُ فِي هَذِهِ ، كَمَا يَدْخُلُ فِيهَا غَيْرُهُ ، مِنْ سَائِرِ الْأَيَّامِ .
فَفِيهَا أَيْضًا إبَاحَةُ صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ تَطَوُّعًا .
وَلَقَدْ أَنْكَرَ الزُّهْرِيُّ حَدِيثَ الصَّمَّاءَ فِي كَرَاهَةِ صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ ، وَلَمْ يَعُدَّهُ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ هِشَامٍ الرُّعَيْنِيُّ ، قَالَ : ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، قَالَ : سُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ ، فَقَالَ ( لَا بَأْسَ بِهِ ) .
فَقِيلَ لَهُ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَرَاهَتِهِ ، فَقَالَ ذَاكَ حَدِيثٌ حِمْصِيٌّ ، فَلَمْ يَعُدَّهُ الزُّهْرِيُّ حَدِيثًا يُقَالُ بِهِ ، وَضَعَّفَهُ .
وَقَدْ يَجُوزُ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، إنْ كَانَ ثَابِتًا ، أَنْ يَكُونَ إنَّمَا نُهِيَ عَنْ صَوْمِهِ ، لِئَلَّا يَعْظُمَ بِذَلِكَ ، فَيُمْسَكَ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ فِيهِ ، كَمَا يَفْعَلُ الْيَهُودُ .
فَأَمَّا مَنْ صَامَهُ لَا لِإِرَادَةِ تَعْظِيمِهِ ، وَلَا لِمَا تُرِيدُ الْيَهُودُ بِتَرْكِهَا السَّعْيَ فِيهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رَخَّصَ فِي صِيَامِ أَيَّامٍ بِعَيْنِهَا مَقْصُودَةٍ بِالصَّوْمِ ، وَهِيَ أَيَّامُ الْبِيضِ ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنْ
لَا بَأْسَ بِالْقَصْدِ بِالصَّوْمِ إلَى يَوْمٍ بِعَيْنِهِ .
قِيلَ لَهُ : إنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ أَيَّامَ الْبِيضِ إنَّمَا أُمِرَ بِصَوْمِهَا ، لِأَنَّ الْكُسُوفَ يَكُونُ فِيهَا ، وَلَا يَكُونُ فِي غَيْرِهَا ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالصَّلَاةِ وَالْعَتَاقِ ( لَيْلَتَهُ ) وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ عِنْدَ الْكُسُوفِ .
فَأَمَرَ بِصِيَامِ هَذِهِ الْأَيَّامِ ، لِيَكُونَ ذَلِكَ بِرًّا مَفْعُولًا بِعَقِبِ الْكُسُوفِ ، فَذَلِكَ صِيَامٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ إلَى يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فِي نَفْسِهِ .
وَلَكِنَّهُ صِيَامٌ مَقْصُودٌ بِهِ فِي وَقْتٍ شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِعَارِضٍ كَانَ فِيهِ ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ .
كَذَلِكَ أَيْضًا يَوْمُ الْجُمُعَةِ إذَا صَامَهُ رَجُلٌ شُكْرًا لِعَارِضٍ ، مِنْ كُسُوفِ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ ، أَوْ شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ يَوْمًا ".

 
 
طباعة