|
|
|
|
|
|
|
|
 |
|
| |
الباب الأول مباحث مهمة في التكفير المبحث الأول مسألة الحاكمية تحرير محل النزاع قال بندر العتيبي : (( لا خلاف في كفر من حكم بغير ما أنزل الله كفراً أكبر إن كان جاحداً لحكم الله، أو مُجوِّزاً فعلهُ، أو معتقداً المساواة بين الحُكْمين، أو مُفضِّلاً حكم غير الله على حكم الله، أو مقترناً حالُه بالتبديل؛ وأما إن حكم بغير ما أنزل الله خالياً حاله من أحد هذه الأمور المتقدّمة فهو محل البحث. قال ابن تيمية -رحمه الله- (الفتاوى3/267): (والإنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه؛ كان كافراً مرتدّاً باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله تعالى –على أحد القولين – :(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، أي: هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله)ا.هـ. وقال أيضاً -رحمه الله- (الصارم2/971): (وبيان هذا: أن من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق؛ فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه)ا.هـ. وقال أيضاً -رحمه الله- (المنهاج5/130): (ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلاً من غير اتِّباعٍ لما أنزل الله فهو كافر...)ا.هـ. ثم اعتقاد التساوي بين حكم الله وحكم غير الله هو عين التشريك الذي هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله. وكذلك اعتقاد التفضيل هو تكذيبٌ ضِمْنِيٌّ لقوله تعالى: (ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون) ))( ) . ومن الجدير بالذكر أن كفر المستحل للحكم بغير ما أنزل الله يشمل أمرين: الأول : أن يعتقد حل الحكم بغير ما أنزل الله . الثاني : أن يعتقد تحريم الحكم بغير ما أنزل الله ولكنه لا يلتزم به . فقد قال شيخ الإسلام : (( ان العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه واعتقاد انقياد لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر ، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند ، ولهذا قالوا : من عصى الله مستكبرا كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهيا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة،وإنما يكفره الخوارج؛ فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقا بأن الله ربه فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق. وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلا لها فهو كافر بالاتفاق؛ فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية، ولخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدا محضا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرا ممن قبله، و قد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع و الإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردا أو اتباعا لغرض النفس، وحقيقته كفر؛ هذا ؛لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول : أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأنفر عنه فهذا نوع من غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع، بل عقوبته أشد، وفي مثله قيل : [ أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ] ـ و هو إبليس ومن سلك سبيله ـ وبهذا يظهر الفرق بين العاصي فإنه يعتقد وجوب ذلك الفعل عليه ويحب أنه يفعله لكن الشهوة والنفرة منعته من الموافقة فقد أتى من الإيمان بالتصديق والخضوع والانقياد وذلك قول وقول لكن لم يكمل العمل )) ( ) .
معنى التبديل (( و أما التبديل الذي نقل ابن تيمية -رحمه الله- الإجماع على التكفير به فصورته أن يقرن مع التغيير وصفاً آخر وهو الزعم أن هذا هو دين الله أو من دين الله؛ فالتبديل ليست صورته التغيير فقط؛ بل صورته تجتمع في الوصفين السابقين، وهما التغيير مع الزّعم. قال ابن العربي -رحمه الله- (أحكام القرآن2/624 عند آية: ومن لم يحكم…): (إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديلٌ له يوجب الكفر) ا.هـ. أقول:فانظر في كلامه –رحمه الله- تجد عين ما وصفتُ لك آنفاً، وليس لك أن تقول: إن ابن العربي وصف حكم المرء بما عنده مع الزعم أنه من عند الله بأنه تبديل، ولم يصفه بأنه هو التبديل المراد؛ لأنك إن أزلتَ قيد (على أنه من عند الله) بقي نصه –رحمه الله- في التبديل هكذا (إن حكم بما عنده فهو تبديل له يوجبُ الكفرَ) وليس حكمُ أحدٍ بما عنده –مما لم يشرعه الله- يوجب عليه أن يكون مبدِّلاً لحكم الله ولا يوجب عليه الكفر؛ لأنه قد يحكم مقرَّاً بخطإ نفسه معترفاً بحكم الله المغاير لحكم نفسه؛ فكيف يكون مبدِّلاً؟، ولو كان الإحلالُ المجرّدُ لحكمه مكان حكم الله هو كفرٌ لكُفِّر الحالقُ لحيته والمسبِلُ إزاره والظالم لأحد أولاده لمصلحة ولدٍ ثانٍ؛ لأن كلَّ واحدٍ منهم قد قام به وصفُ الإحلال؛ حيثُ أحلّ حكم هواه على حكم الله، فظهر لك لزوم أن يكون ابن العربي -رحمه الله- أراد بالحكم على الحالة أنها تبديلٌ اقتران الوصفين الاثنين، لا محيص لك عن هذا . وتقدّم لك نص ابن تيمية -رحمه الله- لما تكلم عن محلِّل الحرام أو محرِّم الحلال أو المبدِّل وأنه كافرٌ بالاتفاق قال: (وفي مثل هذا نزل قوله تعالى –على أحد القولين( )- (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، فإن سبب نزول الآية الذي أراده -رحمه الله- هو ما جاء في صحيح مسلم من تبديل اليهود حكم الزاني المحصن من الرجم إلى التحميم مع زعمهم أن هذا هو حكم الله في التوراة! وأظهرَ لهم الرسول × الآية من التوراة في الرجم.وقال ابن تيمية -رحمه الله- (الفتاوى3/268) لما تكلم عن لفظ (الشرع):(والثالث: الشرعُ المبدَّل، وهو الكذبُ على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها والظلم البيِّن؛ فمن قال: (إن هذا من شرع الله) فقد كفر بلا نزاع…)ا.هـ. أقول:فانظر رعاك الله كيف جعل المبدَّل هو المقرونُ بالزعم، وسماه كذباً على الله ورسوله ونص على قول الزاعم: (هذا من شرع الله) ثم حكى الكفر فيه بلا نزاع، فإنك إن نظرت ما تقدم عرفت وبانَ لك معنى التبديل وصورته الجامعة للوصفين المتقدمين وظهر لك معنى الإجماع الذي حكاه ابن تيمية -رحمه الله- في النص المتقدم وفي النص هذا )) ( ).
فائدة أخرى : معنى عدم الالتزام
(( فائدة / كثيراً ما يذكر أهل العلم في كلامهم لا سيما الإمام أحمد ابن تيمية – رحمه الله – أن من لم يلتزم هذا فهو كافر . فظن بعضهم أنه يريد المداومة على ترك الواجب أو المداومة على فعل الحرام ، ويسمون هذا غير ملتزم، وهذا الظن خاطئ ، وخطوة من خطوات الشيطان ليجعلهم على فكر الخوارج في مرتكب الكبيرة ، ورد هذا الظن من أوجه : 1/ بيان معنى ( عدم الالتزام ) من كلام أهل العلم لا سيما الإمام أحمد بن تيمية- رحمه الله - ، وأنه لا يرادف الترك المستمر كما يتصوره بعضهم قال – رحمه الله -: وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين . ومورد النزاع هو فيمن أقر بوجوبها والتزم فعلها ولم يفعلها ا.هـ( ). لاحظ قوله ( التزم فعلها ولم يفعلها ) يفيد أن معنى الالتزام غير معنى المداومة على الفعل فقد يكون الرجل ملتزماً لها لكنه لا يفعلها، فالالتزام الذي ينبني على تركه الكفر أمر عقدي قلبي لا فعلي ؛ لذا لما أراد ابن تيمية التعبير بالالتزام الفعلي قيده بوصف (الفعلي ) ثم لم يجعله مكفراً لذاته بل لأمر آخر عقدي فقال – بعد النقل المتقدم -: أن لا يجحد وجوبها ، لكنه ممتنع من التزام فعلها كبراً أو حسداً أو بغضاً لله ورسوله ، فيقول: أعلم أن الله أوجبها على المسلمين ، والرسول صادق في تبليغ القرآن ، ولكنه ممتنع عن التزام الفعل استكباراً أو حسداً للرسول ، أو عصبية لدينه ، أو بغضاً لما جاء به الرسول ، فهذا أيضاً كفر بالاتفاق ، فإن إبليس لما ترك السجود المأمور به لم يكن جاحداً للإيجاب ، فإن الله تعالى باشره بالخطاب ، وإنما أبى واستكبر وكان من الكافرين ا.هـ فلاحظ أنه لم يجعل ترك الالتزام الفعلي مكفراً لذاته ، بل لما احتف به اعتقاد كفري ، وهو الكبر والحسد أو بغض الله ورسوله )) ( ). وقال الشيخ عبد العزيز الريس : (( فإن قيل: ما معنى ( عدم الالتزام ) ؟ فيقال : معناه ترك المأمور لدافع عقدي كفري كالإباء والاستكبار وهكذا...مع اعتقاد وجوبه على نفسه وعلى المسلمين )) ( ).
بيان أن تكفير كل من حكم بغير ما أنزل الله بدون تفصيل احتجاجا بهذه الآية: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) هو قول الخوارج
(( أخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال ( المتشابهات ) آيات في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرأوهن . ومن أجل ذلك يضل من ضل ، فكل فرقة يقرؤون آية من القرآن يزعمون أنها لهم ، فمنها يتبع الحرورية من المتشابه قول الله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) [ المائدة : 44 ] ثم يقرؤون معها ( الذين كفروا بربهم يعدلون ) [ الأنعام : 1 ] فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا : قد كفر فمن كفر عدل بربه ، ومن عدل بربه فقد أشرك بربه . فهؤلاء الأئمة مشركون )) ( ). وقال ابن عبد البر – رحمه الله - : (( وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله عز وجل:( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وقوله:( أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) وقوله:( إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين) وقوله:( إن هم إلا يخرصون) وقوله:( وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) ونحو هذا وروي عن ابن عباس في قول الله عز وجل:( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر). وقد أوضحنا معنى الكفر في اللغة في مواضع من هذا الكتاب والحجة عليهم قول الله عز وجل:( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ومعلوم أن هذا بعد الموت لمن لم يتب ؛لأن الشرك ممن تاب منه قبل الموت وانتهى عنه غفر له كما تغفر الذنوب كلها بالتوبة جميعا قال الله عز وجل: ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) )) ( ). وقال الألوسي – رحمه الله - : (( واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن الفاسق كافر غير مؤمن ، ووجه الاستدلال بها أن كلمة ( مَن ) فيها عامة شاملة لكل من لم يحكم بما أنزل الله تعالى ، فيدخل ( الفاسق ) المصدق أيضاً ؛لأنه غير حاكم وعامل بما أنزل الله تعالى، وأجيب بأن الآية متروكة الظاهر ، فإن الحكم وإن كان شاملاً لفعل القلب والجوارح لكن المراد به هنا عمل القلب وهو التصديق ، ولا نزاع في كفر من لم يصدق بما أنزل الله تعالى ، وأيضاً إن المراد عموم النفي بحمل ( ما ) على الجنس ، ولا شك أن من لم يحكم بشيء مما أنزل الله تعالى لا يكون إلا غير مصدق ولا نزاع في كفره )) ( ). وقال الآجري – رحمه الله - : ((ومما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله عز وجل : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )(المائدة:44) ويقرؤون معها : ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) (الأنعام:1) فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا : قد كفر ومن كفرعدل بربه ،فقد أشرك فهؤلاء الأئمة مشركون ،فيخرجون فيفعلون ما رأيت لأنهم يتأولون هذه الآية )) ( ).
كيف نفهم قوله تعالى ( ومن لم يحكم ..) الآية . فهما صحيحا
لكي نفهم هذه الآية فهما صحيحا بعيدا عن فهم الخوارج لها ينبغي أن نعرف أمورا هي : ـ (( أن الشارع قد سمى بعض الذنوب كفرا قال الله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )(المائدة :44) وقال × : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) متفق عليه من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -. وقال × : (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) و : ( إذا قال الرجل لأخيه : يا كافر فقد باء بها أحدهما ) متفق عليهما من حديث ابن عمرو - رضي الله عنه - وقال × : ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ،ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-. وقال × : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد ) .وقال × : (بين المسلم وبين الكفر ترك الصلاة ) رواه مسلم عن جابر -رضي الله عنه-. وقال × : (من أتى كاهنا فصدقه أو أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ). وقال × : (من حلف بغير الله فقد كفر ) رواه الحاكم بهذا اللفظ . وقال × : ( ثنتان في أمتي [ بهم ] كفر : الطعن في الأنساب والنياحة على الميت ). ونظائر ذلك كثيرة )) ( ). ـ أثر ابن عباس في تفسير الآية يبطل الاحتجاج بالآية على كفر الحاكم بغير ما أنزل الله بدون استحلال، وهو أثر صحيح صححه الحاكم، ووافقه الذهبي وأقره ابن كثير . وجاء في السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني : (( ( إن الله عز وجل أنزل : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) و ( أولئك هم الظالمون ) و(أولئك هم الفاسقون ) . قال ابن عباس : أنزلها الله في الطائفتين من اليهود وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتله ( العزيزة) من ( الذليلة ) فديته خمسون وسقا ، وكل قتيل قتله ( الذليلة ) من ( العزيزة ) فديته مائة وسق فكانوا على ذلك حتى قدم النبي × المدينة فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله × ويومئذ لم يظهر ولم يوطئهما عليه( ).وهو في الصلح فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا فأرسلت ( العزيزة ) إلى ( الذليلة ) أن ابعثوا إلينا بمائة وسق فقالت ( الذليلة ) : وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ونسبهما واحد وبلدهما واحد دية بعضهم نصف دية بعض ؟ إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم ، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك فكادت الحرب تهيج بينهما ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله × بينهم. ثم ذكرت ( العزيزة ) فقالت : والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلا ضيما منا وقهرا لهم فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه . فدسوا إلى رسول الله × ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله × فلما جاء رسول الله × أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا فأنزل الله عز وجل : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا : آمنا ) إلى قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) ثم قال : فيهما والله نزلت وإياهما عنى الله عز وجل ) أخرجه أحمد (1/246) ، والطبراني في ( المعجم الكبير ) (3/95/1) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزنىد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال : فذكره .......... وقد نقل عنه [ أي عن ابن كثير ] صاحب ( الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم ) أنه حسن إسناده . ولم أر هذا في كتابه : ( التفسير ) ، فلعله في بعض كتبه الأخرى . وتحسين هذا الإسناد هو الذي تقتضيه قواعد هذا العلم الشريف ، فإن مداره على عبد الرحمن بن أبي الزناد ، وهو كما قال الحافظ : ( صدوق ، تغير حفظه لما قدم بغداد ، وكان فقيها ) فقول الهيثمي (7/16) : ( رواه أحمد والطبراني بنحوه ، وفيه عبد الرحمن بن أبي الزنىد ، وهو ضعيف وقد وُثق، وبقية رجال أحمد ثقات ) . قلت : فقوله فيه : (ضعيف وقد وثق ) ليس بجيد ؛لأنه يرجح قول من ضعفه على قول من وثقه ، والحق أنه وسط ، وأنه حسن الحديث ، إلا أن يخالف ، وهذا مما لا يستفاد من قوله المذكور فيه . والله أعلم ........)) ( ). ثم قال الألباني – رحمه الله - : (( 1- روى ابن جرير الطبري (10/355/12053) بإسناد صحيح عن ابن عباس : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : هي به كفر ، وليس كفرا بالله وملائكته وكتبه ورسله . 2- وفي رواية عنه في هذه الآية : إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه ، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة ، كفر دون كفر . أخرجه الحاكم (2/313) ، وقال : ( صحيح الإسناد ) . ووافقه الذهبي ، وحقهما أن يقولا : على شرط الشيخين . فإن إسناده كذلك . ثم رأيت الحافظ ابن كثير نقل في تفسيره (6/163) عن الحاكم أنه قال : ( صحيح على شرط الشيخين ) فالظاهر أن في نسخة ( المستدرك ) المطبوعة سقطا ، وعزاه ابن كثير لابن أبي حاتم أيضا ببعض اختصار . 3- وفي أخرى عنه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق . أخرجه ابن جرير (12063) . قلت : وابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس ، لكنه جيد في الشواهد . 4- ثم روى (12047-12051) عن عطاء بن أبي رباح قوله : ( وذكر الآيات الثلاث ) : كفر دون كفر ، وفسق دون فسق ، وظلم دون ظلم. وإسناده صحيح . 5- ثم روى ( 12052) عن سعيد المكي عن طاووس ( وذكر الآية ) قال: ليس بكفر ينقل عن الملة . وإسناده صحيح ، وسعيد هذا هو ابن زياد الشيباني المكي ، وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان وغيرهم ، وروى عنه جمع . 6- وروى ( 12025و12026) من طريقين عن عمران بن حدير قال : أتى أبا مجلز ( ) ناس من بني عمرو بن سدوس ( وفي الطريق الأخرى : نفر من الإباضية ) ( ) فقالوا : أرأيت قول الله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) أحق هو ؟ قال : نعم ! قالوا : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) أحق هو ؟ قال : نعم ! قالوا ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) أحق هو ؟ قال : نعم .قال :فقالوا: يا أبا مجلز فيحكم هؤلاء بما أنزل الله ؟ قال : هو دينهم الذي يدينون به وبه يقولون وإليه يدعون [ يعني الأمراء ] فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم أصابوا ذنبا ! فقالوا : لا والله ولكنك تفرَق ( ) ! قال : أنتم أولى بهذا مني ! لا أرى وإنكم أنتم ترون هذا ولا تَحَرجون ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك أو نحوا من هذا وإسناده صحيح )) ( ). وقال الشيخ ابن عثيمين : (( لما كان هذا [ الأثر ] لا يرضي هؤلاء المفتونين بالتكفير صاروا يقولون هذا الأثر غير مقبول ولا يصح عن ابن عباس فيقال لهم: كيف لا يصح وقد تلقاه من هو أكبر منكم وأفضل وأعلم بالحديث وتقولون لا نقبل . فيكفينا أن علماء جهابذة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما كلهم تلقوه بالقبول ويتكلمون به وينقلونه فالأثر صحيح )) ( ).
ـ النصوص الدالة على عدم تكفير المسلم بالمعاصي والكبائر دون الشرك لتدل على عدم كفر من حكم بغير ما أنزل الله بدون استحلال، كما يشير إلى ذلك كلام الشيخ ابن باز -رحمه الله- الذي سيأتي معنا قريبا . وإليك بعض النصوص الدالة على عدم كفر مرتكب دون الشرك من المعاصي: قال تعالى : (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً)) (النساء:48) وقال تعالى في حق المتقاتلين من المسلمين ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) (الحجرات:9). فسماهم مؤمنين مع تقاتلهم . وقوله تعالى : (( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) (المائدة:38) فحكم على السارق بقطع اليد. ولو كان مرتدا لكان حكمه القتل لقوله × : (( من بدل دينه فاقتلوه )) ( ). وكذلك القول في الزاني وشارب الخمر والقاذف . وعن أبي ذر -رضي الله عنه-: (( أتيت النبي × وهو نائم عليه ثوب أبيض، ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ فجلست إليه، فقال: ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق ؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق ؟ قال: وإن زنى وإن سرق (ثلاثا) ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر .قال: فخرج أبو ذر – وهو يقول-: وإن رغم أنف أبي ذر )) ( ). وقال × : ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة )) ( ).
ـ أن الآية متروكة الظاهر بالإجماع : وقال الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- (تفسير المنار6/406):(( أما ظاهر الآية لم يقل به أحدٌ من أئمة الفقه المشهورين، بل لم يقل به أحد )) ( ). و (( دخل رجل من الخوارج على المأمون فقال له المأمون : ما حملك على خلافنا؟ قال : آية في كتاب الله قال : و ما هي ؟ قال : قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال ألك علم بأنها منزلة؟ قال: نعم قال : و ما دليلك ؟ قال : إجماع الأمة قال : فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل قال : صدقت السلام عليك يا أمير المؤمنين )) ( ).
ـ أن البراء بن عازب – رضي الله عنه - أخبر أنها في الكفار عن البراء بن عازب قال: (( مُر على النبي × بيهودي محمما مجلودا فدعاهم× فقال: ( هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ ). قالوا نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال ( أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ ) قال لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد قلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله × ( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) فأمر به فرجم فأنزل الله عز وجل ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) إلى قوله ( إن أوتيتم هذا فخذوه) [ 5 / المائدة / 41 ] يقول ائتوا محمدا × فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا فأنزل الله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) [ 5 / المائدة / 44 ] (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) [ 5 / المائدة / 45 ] ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) [ 5 / المائدة / 47 ] في الكفار كلها)) ( ).
ـ أن سبب نزول الآية في الذين بدلوا حد الزنى ونسبوه إلى الشرع ، وسبب نزول الآية يوضح معناها فقد مر في حديث البراء أن النبي × سألهم : ( هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ ) قالوا نعم .
ـ أن من احتج بها على كفر من حكم بغير ما أنزل الله من الحكام يلزمه أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله في نفسه وبيته ومصنعه ومحله ومدرسته من المحكومين. قال × : (( كلكم راع وكل مسؤول عن رعيته )) ( ). وقال شيخ الإسلام : (( وكل من حكم بين اثنين فهو قاضٍ، سواء كان صاحب حربٍ أو متولِّي دِيوان أو منتصِباً للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدُّونه من الحكام)) ( ). بل يلزمه أن يكفر كل فاعل معصية صغيرة أو كبيرة قال ابن حزم : (( كما قال عليه السلام : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر ) وكل معتقد أو قائل أو عامل فهو حاكم في ذلك الشيء ،وإن خالفه بعمله معاندا للحق معتقدا بخلاف ما عمل به فهو مؤمن فاسق ،وإن خالفه معاندا بقوله أو قلبه فهو كافر مشرك سواء ذلك في المعتقدات والفتيا للنصوص، التي أوردنا وهو قول إسحاق بن راهويه وغيره وبه نقول )) ( ).
أقوال المفسرين في هذه الآية لا تتفق مع تفسير التكفيرية قال ابن جرير الطبري : (( فإن قال قائل: فإن الله -تعالى ذكره- قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع منْ لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصًّا؟ قيل: إن الله تعالى عَمَّ بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكمَ، على سبيل ما تركوه، كافرون. وكذلك القولُ في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس ؛لأنه بجحوده حكم الله بعدَ علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنه نبيٌّ )) ( ). قال القرطبي : (( قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) و (الظالمون) و (الفاسقون) نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء، وقد تقدم. وعلى هذا المعظم. فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة. وقيل: فيه إضمار، أي ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن، وجحدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر، قاله ابن عباس ومجاهد، فالآية عامة على هذا. قال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.وقال ابن عباس في رواية: ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار.وقيل: أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر، فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية، والصحيح الأول )) ( ). وقال البغوي : (( رُوي عن البراء بن عازب - رضي الله عنه -في قوله: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) والظالمون والفاسقون كلها في الكافرين، وقيل: هي على الناس كلهم.وقال ابن عباس وطاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به [كافر] وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. قال عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وقال عكرمة معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق.وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات، فقال: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه، فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم يحكم [بجميع] ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات. وقال العلماء: هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا، فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا)) ( ). وقال الشوكاني :(( قوله : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون ) لفظ « منْ » من صيغ العموم فيفيد أن هذا غير مختص بطائفة معينة ، بل بكل من ولي الحكم؛ وقيل إنها مختصة بأهل الكتاب؛ وقيل بالكفار مطلقاً ؛لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبيرة؛ وقيل هو محمول على أن الحكم بغير ما أنزل الله ، وقع استخفافاً ، أو استحلالاً ، أو جحداً ، والإشارة بقوله :( أولئك ) إلى من ، والجمع باعتبار معناها ، وكذلك ضمير الجماعة في قوله : ( هُمُ الكافرون ))) ( ). قال أبو بكر الجصاص : (( قوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم الله أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود فلا يكون فاعله خارجا من الملة والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله )) ( ). وقال ابن الجوزي :(( فأما قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) . وقوله تعالى بعدها : ( فأولئك هم الظالمون ) ( فأولئك هم الفاسقون ) . فاختلف العلماء فيمن نزلت على خمسة أقوال : أحدها : أنها نزلت في اليهود خاصة ، رواه عبيد بن عبد الله عن ابن عباس ، وبه قال قتادة . والثاني : أنها نزلت في المسلمين ، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس نحو هذا المعنى . والثالث : أنها عامّةٌ في اليهود ، وفي هذه الأمَّة ، قاله ابن مسعود ، والحسن ، والنخعي والسدي . والرابع : أنها نزلت في اليهود والنصارى ، قاله أبو مجلز . والخامس : أن الأولى في المسلمين ، والثانية في اليهود ، والثالثة في النصارى ، قاله الشعبي . وفي المراد بالكفر المذكور في الآية الأولى قولان . أحدهما : أنه الكفر بالله تعالى . والثاني : أنه الكفر بذلك الحكم ، وليس بكفر ينقل عن الملّة . وفصل الخطاب : أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً له ، وهو يعلم أن الله أنزله، كما فعلت اليهود ، فهو كافر ، ومن لم يحكم به ميلاً إِلى الهوى من غير جحود ، فهو ظالم وفاسِق . وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومَن أقرَّ به ولم يحكم به فهو فاسق وظالم )) ( ). وقال البيضاوي : (( ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله ) مستهيناً به منكراً له . ( فأولئك هُمُ الكافرون) لاستهانتهم به وتمردهم بأن حكموا بغيره ، ولذلك وصفهم بقوله (الكافرون) و ( الظالمون ) و ( الفاسقون ) ، فكفرهم ؛لإِنكاره ، وظلمهم بالحكم على خلافه ، وفسقهم بالخروج عنه . ويجوز أن يكون كل واحدة من الصفات الثلاث باعتبار حال انضمت إلى الامتناع عن الحكم به ملائمة لها ، أو لطائفة كما قيل هذه في المسلمين لاتصالها بخطابهم ، والظالمون في اليهود ، والفاسقون في النصارى )) ( ). وقال النسفي : (( ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله ) مستهيناً به ( فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون ) قال ابن عباس -رضي الله عنهما- : من لم يحكم جاحداً فهو كافر ، وإن لم يكن جاحداً فهو فاسق ظالم )) ( ).
وقال الشنقيطي : (( قوله تعالى : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون) اختلف العلماء في هذه الآية الكريمة : هل هي في المسلمين ، أو في الكفّار ، فروي عن الشعبي أنها في المسلمين ، وروي عنه أنها في اليهود ، وروي عن طاوس أيضاً أنها في المسلمين ، وأن المراد بالكفر فيها كفر دون كفر ، وأنه ليس الكفر المخرج من الملة ، وروِي عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال : ليس الكفر الذي تذهبون إليه ، رواه عنه ابن أبي حاتم ، والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ، قاله ابن كثير. قال بعض العلماء : والقرآن العظيم يدل على أنها في اليهود ؛لأنه تعالى ذكر فيما قبلها أنهم ( يحرفون الكلم من بعد مواضعه ) ، وأنهم يقولون ( إن أوتيتم هذا ) يعني الحكم المحرف الذي هو غير حكم الله ( فخذوه وإن لم تؤتوه ) أي المحرف ، بل أوتيتم حكم الله الحق ( فاحذروا ) فهم يؤمرون بالحذر من حكم الله الذي يعلمون أنه حق............ قال مقيده -عفا الله عنه- : الظاهر المتبادر من سياق الآيات أن آية ( هُمُ الكافرون ) نازلة في المسلمين ؛لأنه تعالى قال قبلها مخاطباً لمسلمي هذه الأُمة ( فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ) [ المائدة : 44 ] ثم قال : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ) فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية ، وعليه فالكفر إما كفر دون كفر ، وإما أن يكون فعل ذلك مستحلاً له ، أو قاصداً به جحد أحكام الله وردها مع العلم بها. أما من حكم بغير حكم الله ، وهو عالم أنه مرتكب ذنباً فاعل قبيحاً، وإنما حمله على ذلك الهوى فهو من سائر عصاة المسلمين ، وسياق القرآن ظاهر أيضاً في أن آية (فأولئك هُمُ الظالمون ) [ المائدة : 45 ] في اليهود ؛لأنه قال قبلها : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ الله فأولئك هُمُ الظالمون ) [ المائدة : 45 ] . فالخطاب لهم لوضوح دلالة السياق عليه كما أنه ظاهر أيضاً في أن آية ( فأولئك هُمُ الفاسقون ) [ المائدة : 47 ] في النصارى ؛لأنه قال قبلها (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (المائدة:47) واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق كل واحد منها ربما أطلق في الشرع مراداً به المعصية تارة ، والكفر المخرج من الملة أخرى ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ الله ) معارضةً للرُّسل وإبطالاً لأحكام الله فظلمه وفسقه وكفره كلها كفر مخرج عن الملة ، ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ الله ) معتقداً أنه مرتكب حراماً فاعل قبيحاً فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة ، وقد عرفت أن ظاهر القرآن يدل على أن الأولى في المسلمين ، والثانية في اليهود ، والثالثة في النصارى ، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ، وتحقيق أحكام الكل هو ما رأيت ، والعلم عند الله تعالى))( ). وقال السعدي : (( ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزلَ اللَّهُ ) من الحق المبين، وحكم بالباطل الذي يعلمه، لغرض من أغراضه الفاسدة ( فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفرا ينقل عن الملة، وذلك إذا اعتقد حله وجوازه. وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد)) ( ). وقال ابن العربي : ((قَوْله تَعَالَى : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ) اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْكَافِرُونَ وَالظَّالِمُونَ وَالْفَاسِقُونَ كُلُّهُ لِلْيَهُودِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْكَافِرُونَ لِلْمُشْرِكِينَ ، وَالظَّالِمُونَ لِلْيَهُودِ ، وَالْفَاسِقُونَ لِلنَّصَارَى وَبِهِ أَقُولُ ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْآيَاتِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ .قَالَ طَاوُسٌ وَغَيْرُهُ : لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ ، وَلَكِنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ .وَهَذَا يَخْتَلِفُ إنْ حَكَمَ بِمَا عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ؛ فَهُوَ تَبْدِيلٌ لَهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ ، وَإِنْ حَكَمَ بِهِ هَوًى وَمَعْصِيَةً فَهُوَ ذَنْبٌ تُدْرِكُهُ الْمَغْفِرَةُ عَلَى أَصْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْغُفْرَانِ لِلْمُذْنِبِينَ )) ( ).
عقيدة السلف في مسألة الحاكمية قال ابن أبي العز الحنفي : (( وهنا أمر يجب أن يتفطن له ، وهو : أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة ، وقد يكون معصية : كبيرة أو صغيرة ، ويكون كفرا : إما مجازيا ، وإما كفرا أصغر ، على القولين المذكورين . وذلك بحسب حال الحاكم : فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب ، وأنه مخير فيه ، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله. فهذا كفر أكبر. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله ، وعلمه في هذه الواقعة ، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة ، فهذا عاص ، ويسمى كافرا كفرا مجازيا ، أو كفرا أصغر. وإن جهل حكم الله فيها ، مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه ، فهذا مخطئ ، له أجر على اجتهاده ، وخطؤه مغفور )) ( ). وقال شيخ الإسلام : (( ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله سبحانه وتعالى كسوالف البادية وكأوامر المطاعين فيهم ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر فإن كثيرا من الناس أسلموا ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار وإلا كانوا جهالا كمن تقدم أمرهم )) ( ). وقال – رحمه الله - : (( والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء وفي مثل هذا نزل قوله -على أحد القولين-: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله ولفظ الشرع يقال في عرف الناس على ثلاثة معان : الشرع المنزل: وهو ما جاء به الرسول × وهذا يجب اتباعه ومن خالفه وجبت عقوبته. والثاني: الشرع المؤول وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه فهذا يسوغ اتباعه ولا يجب ولا يحرم وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به ولا يمنع عموم الناس منه. والثالث: الشرع المبدل وهو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها والظلم البين فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع كمن قال إن الدم والميتة حلال ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك )) ( ). وقال-أيضا -: (( وإذا كان من قول السلف أن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق فكذلك في قولهم إنه يكون فيه إيمان وكفر ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة كما قال ابن عباس وأصحابه فى قوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قالوا كفروا كفرا لا ينقل عن الملة وقد اتبعهم على ذلك أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة )) ( ). وقال – تغمده الله برحمته - :((وقال ابن عباس وغير واحد من السلف فى قوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (فأولئك هم الفاسقون) و (الظالمون) كفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري وغيرهما )) ( ). وقال ابن قيم الجوزية : (( فأما الكفر فنوعان : كفر أكبر، وكفر أصغر. فالكفر الأكبر : هو الموجب للخلود في النار والأصغر : موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود كما في قوله تعالى - وكان مما يتلى فنسخ لفظه - : (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم) وقوله ×: في الحديث : (اثنتان في أمتي هما بهم كفر : الطعن في النسب والنياحة) وقوله في السنن : (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد) وفي الحديث الآخر: (من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد) وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة فى قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائده :44 ) قال ابن عباس : (ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعله فهو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر) وكذلك قال طاووس وقال عطاء : (هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق) ومنهم : من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدا له، وهو قول عكرمة وهو تأويل مرجوح فإن نفس جحوده كفر سواء حكم أو لم يحكم ومنهم : من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله قال : ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام وهذا تأويل عبدالعزيز الكناني، وهو أيضا بعيد إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزل وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه ومنهم: من تأولها على الحكم بمخالفة النص تعمدا من غير جهل به ولا خطأ في التأويل. حكاه البغوي عن العلماء عموما ومنهم : من تأولها على أهل الكتاب، وهو قول قتادة والضحاك وغيرهما وهو بعيد وهو خلاف ظاهر اللفظ فلا يصار إليه ومنهم من جعله كفرا ينقل عن الملة، والصحيح : أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانا مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه مع تيقنه أنه حكم الله تعالى فهذا كفر أكبر وإن جهله وأخطأه : فهذا مخطىء له حكم المخطئين والقصد : أن المعاصي كلها من نوع الكفر الأصغر فإنها ضد الشكر الذي هو العمل بالطاعة فالسعي: إما شكر وإما كفر وإما ثالث لا من هذا ولا من هذا والله أعلم )) ( ).
|
|
|
 |
|
| |
|
|
|
|
|
|