إستبيان


ممتاز
جيد
عادي
سيىء


روضة السلفيين » مقالات » المقدمة والتمهيد من التنوير في نقض الغلو في التكفير والتفجير

المقدمة والتمهيد من التنوير في نقض الغلو في التكفير والتفجير

 
التنوير
في نقض الغلو
في التكفير والتفجير






تأليف أبي معاوية غالب بن أحمد الساقي








حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الثانية
محرم / 1431
هذه الطبعة وقف لله تعالى
من استغنى عن الانتفاع به فليدفعه إلى من ينتفع به
من طلبة العلم وغيرهم




بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ،
((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون))
(( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)).
(( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم
ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ))
أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
أيها القارئ الكريم،
إن فضل حكم الله على حكم غيره كفضل الله على خلقه .
إن أحكام الله منزلة من الخالق العليم الخبير الحكيم فهي مشتملة على تحقيق مصالح الخلق في الدنيا والآخرة . ولا يحيد عنها أحد إلا ذاق وبال أمره وكان عاقبة أمره خسرا.
إن في تحكيم شرع الله حفظا للدين والعقل والمال والنفس والنسل والنسب .
إن الأمة قد أصابها بسبب ترك الحكم بما أنزل الله من انتشار السحر والشرك والفواحش والسرقة والقتل وضياع الحقوق وتسلط الكفار وغير ذلك من الشر والبلاء ما هو معلوم ومحسوس.
يقول تعالى : (( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) (المائدة:49-50).
ويقول رسول الله × : (( حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا )) ( ).
ويقول × :
(( ... وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ، ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم )) ( ).
جدير بالمسلم أن يعلم أن الحكم بما أنزل الله ليس للحكام فقط بل ولجميع المسلمين كما قال × :
(( ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته )) ( ).
وقال – أيضا - :(( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة )) ( ).
وإنني لأعتقد أن ما يصيبنا من بلاء وذل وهوان بسبب ترك الحكم بما أنزل الله ليس من قبل الحكام فقط بل ومن قبل المحكومين أيضا فقد قال تعالى : (( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)) (الرعد:11) وقال :
(( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) (الأنعام:129) وقال: (( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)) (الشورى:30).

وأنبه على ما يلي :
أولا : لا تكون دولة ولا جماعة إسلامية محكمة لكتاب الله وسنة نبيه، وهي لا تُعنى بأمر التوحيد الذي هو أساس الإسلام وأصل الدين فكل فرد أو طائفة أو دولة تهمل الدعوة إلى توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته لا تكون محكمة لشرع الله في أصل الدين وأعظم أحكامه .
فإن التوحيد ومعرفة الله بأسمائه وصفاته والثناء عليه بها هو الغاية التي خلق الله من أجلها الخلق يقول تعالى : (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) (الذريات:56)
وقال سبحانه : (( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً)) (الطلاق:12) وهو المحور الذي يدور عليه القرآن والسنة وهو الذي أنزل الله به الكتب، وبعث به الرسل قال تعالى : (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)) (النحل:36).
وقال تبارك وتعالى : (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)) (الأنبياء:25). فمن أنكر صفات الله وأسماءه أو صرف عبادة لغير الله كالذبح والدعاء والتوكل، أو تعامل بالسحر أو اعتقد أن غير الله يتصرف في الكون، أو يعلم الغيب أو أيد من يعتقد ذلك ويفعله من الرافضة والجهمية والصوفية، وغيرهم أو أهمل التحذير من ذلك ولم يجعل ذلك في برنامجه وسعيه لإقامة دولة الإسلام، فهو أول من ترك الحكم بما أنزل الله وانحرف عن سبيل الله واتبع هواه وكان أمره فرطا .
يكفينا لنعرف أن خطورة الشرك في الإسلام لا يدانيها شيء قوله تعالى : (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً)) (النساء:48).

ثانيا : كما أن فعل المعاصي والسماح بها مما يخالف الحكم بما أنزل الله فإن فعل البدع والسماح بها ،وعدم محاربتها كذلك بل البدعة أحب إلى إبليس من المعصية.
عن جابر بن عبد الله قال:
(( كان رسول الله × إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ثم يقول أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي )) ( ).

ثالثا : إن عدم رجوع أي دولة أو طائفة، أو فرد إلى الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح في جميع مسائل الدين أصوله، وفروعه دقيقه وجليله والرجوع إلى غيرها من آراء البشر، أو العقل أو الهوى أو الذوق هو من ترك الحكم بما أنزل الله .

رابعا : إن الحكم بما أنزل الله يجب أن يكون شاملا لجميع مسائل الدين، والتي منها مسألة الحكم على من حكم بغير ما أنزل الله ، ووالى الكفار فالواجب الحكم عليهم بما أنزل الله لا بالجهل والهوى.

خامسا : إن من يحُكّم العاطفة والحماس في مسائل الجهاد، ولا يقبل بحكم الكتاب والسنة لا يكون حاكما بما أنزل الله متبعا لشرعه وهديه.
سادسا : إن من تحكيم شرع الله الرجوع في المسائل التي اختلف فيها الناس إلى كتاب الله وسنة نبيه، وتحكيم الدليل فيها كما قال تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)) (النساء:59).
وقال سبحانه : (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) (النساء:65). وإن من يتخذ الأحكام الفقهية هزوا ولا يلتفت إلى الأدلة فيها، ولا يأخذ منها إلا ما وافق هواه، وجعل شغله الشاغل في التقليل من شأنها، ونبز من يتعلمها ويعلمها . ويدعو إلى إهمالها والإعراض عنها، بل يستخف بها ويدعو إلى طرحها مع ما فيها من نصوص، وأدلة أوضح من شمس النهار، ومع أن الدين إنما يتكون من مجموعها هو من أبعد الناس عن تحكيم شرع الله ودينه في نفسه وفكره وعمله ودعوته .

سابعا : إن الغلاة في مسألة الحاكمية مع كونهم لا يحكمون فيما يعتقدون ويفعلون بما أنزل الله كما سيتبين لنا في هذا الجمع المبارك -إن شاء الله- لا يؤدي عملهم وفكرهم إلى الحكم بما أنزل الله، بل هم يبعدون الحكام والشعوب عن الحكم بما أنزل الله، وينفرونهم من الدين، ويزيدونهم بعدا عنه ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما حصل في الجزائر، فعلى الرغم من إباحة كثير من الخوارج فيها نهب أموال المسلمين، وسبي نسائهم أو قتلهم وقتل عجزتهم وأطفالهم وقتل أئمة المساجد والدعاة ممن يخالف رأيهم وانحرافهم، مع ذلك كله لم تحكم الجزائر بما أنزل الله بل ازدادت بعدا عنه. يقول عبد المالك الجزائري -حفظه الله- مخاطبا الفرق الخارجة في الجزائر :
(( فقد مضى على خروجكم ما يقارب عشر سنوات والأمر يزداد سوءا فالجماعة تتفرق،والصف يتمزق، بشهادتكم التي نقلتها عنكم آنفا ، ولا يُراق إلا دماء الأبرياء ، وسبل الخير تتعطل ، وسبل الشر تقوى وتكثر.
فمتى كان الناس يتحدثون في الجزائر عن البعث النصراني من جديد قبل زمن خروجكم ؟! ومتى كانت شركيات الطرق الصوفية من رسميات البلاد ورسومها قبل خروجكم ؟! ومتى كان الزنى على مرأى ومسمع من مسلمي الجزائر قبل ذلك ؟! ومتى كان الجزائري يتقمم الفضلات ليضمن الحياة لعياله قبل خروجكم ؟! وهل خُلع حجاب المرأة بصفة مذهلة إلا عقب خروجكم ؟!
وهل انتعشت النزعات العرقية الممزقة لأوصال أمة واحدة إلا بنزغاتكم وبعد خروجكم ؟! )) ( ).
بخلاف علماء السنة فهم يحكمون الكتاب والسنة في أقوالهم وأفعالهم ومعتقداتهم ومناهجهم وأفكارهم ويتحقق بهم من تطبيق أحكام الشريعة ما يسر البال ويبهج الفؤاد كما هو واضح لمن له عينان .

ثامنا : إن من أعظم الناس حكما بخلاف ما أنزل الله، وتعطيلا لأحكامه وشرائعه هم الذين تركوا أكابر أهل العلم، واتبعوا الأصاغر والأهواء والشبهات فاستحلوا الدماء والأموال، والأعراض المعصومة .

تاسعا : لقد ملأت هذا الكتاب بالأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة بفهم السلف الصالح، ومن سار على دربهم، فجدير بمن يكفر المسلم بحجة أنه معرض عن دين الله أن يقرأ هذا الكتاب، ولا يعرض عن هذه الأدلة التي فيه وأن يتأملها حق تأملها ؛خشية أن يقع في إثم الإعراض الذي يرمي به غيره ويكفره به.

عاشرا : عجبت لمن يزعم أنه يجاهد الكفار، وهو يتشبه بهم في لباسه ومظهره وأفكاره! عجبت لمن يدعي أنه يسعى لتحكيم شرع الله في دولته وهو لا يقيم شرع الله في نفسه وبيته وبين أولاده ولا يأخذ من دين الله إلا ما وافق هواه ولا يتحاكم عند النزاع إلى وحي الله! كيف يزعم من لا يحمل القليل أنه سيحمل الكثير ، فسبحان من يضل من يشاء ويهدي من يشاء بحكمته وقدرته!.




لقد جاء هذا الكتاب مشتملا على تمهيد وبابين

الباب الأول : مباحث مهمة في التكفير ،
وهو يشتمل على ثلاثة مباحث هي :
المبحث الأول : مسألة الحاكمية
المبحث الثاني : موالاة الكفار
المبحث الثالث : شروط وموانع التكفير

والباب الثاني : مباحث مهمة في الجهاد
وهو يشتمل على : تمهيد وثلاثة مباحث – أيضا - هي :
المبحث الأول : من مهمات الجهاد وشروطه
المبحث الثاني : تنبيهات مهمة وفوائد جليلة.
المبحث الثالث : شبهات وجوابها .

وألفت نظرك أيها القارئ في هذه المقدمة : أنه إذا كان الكلام في متن الكتاب منقولا عن أحد فإن الحاشية تكون أيضا لمن نقلت عنه .
وملاحظة أخرى أن ما كان من كلام للشيخ ابن باز ـ رحمه الله – لم أعزه إلى كتاب فهو من ( مجموعة فتاوى اللجنة والإمامين ) إعداد موقع ( روح الإسلام).
فإليك أخي المسلم هذا الكتاب بعد أن بذلت جهدا طيبا في جمعه من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة، وضمنته مباحث مهمة لبعض طلبة العلم الأفاضل، وحرصت فيه على التأصيل، و إزالة الشبهات في مسائل الجهاد والتكفير. دفعني إلى جمع هذا الكتاب بعد ابتغاء ثواب الله إحساسي بشدة الحاجة إليه. فهو وإن كانت معلوماته موجودة في بطون الكتب القديمة والحديثة إلا أن تلك الكتب كثيرة مبثوثة في المكتبات وشبكة المعلومات لا يسهل جمعها، واقتناص فوائدها لكل أحد؛ فأحببت أن أقرب البعيد، وأسهل الطريق على مبتغي الحق، وطالبي الرشاد ، أسأل الله أن يجعلني والقراء جميعا منهم بمنه وكرمه!.
وإنني لأرجو الله لكل من قرأه مريدا للحق أن تنجلي له الحقائق ويتضح له الصواب في كثير من المسائل التي اختلف فيها الناس وتباينت فيها آراؤهم .
اللهم ادخر لي ثوابه يوم لقياك ، وأوصلني بهذا العمل الذي هو من فضلك إلى محبتك ورضاك . يا سميع يا مجيب !
كتبه الفقير إلى الله أبو معاوية غالب بن أحمد -عفا الله عنه- 12/جمادى الأولى /1428.
هاتف المؤلف : 0786348253











تمهيد :
دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه :
لا ينبغي للمسلم أن يجنح إلى الشدة في الدين ؛لما يترتب عليها من التنفير والانقطاع عن العمل، وقد قال × : (( إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ ، وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ )) ( ). وعن أَبِي بُرْدَةَ - رضي الله عنه - : (( أَنَّ النَّبِيَّ × بَعَثَ مُعَاذًا ، وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ . قَالَ : يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا )) ( ).
وتقول عائشة -رضي الله عنها-: (( مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ × بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا ، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ . وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ × لِنَفْسِهِ إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا )) ( ).وقد نهى الله ورسوله عن الغلو في الدين فقال:
((إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين )) ( ).
وقد دلت الأدلة الشرعية على أن الدين يسر قال تعالى :
(( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )) (البقرة:185).
وقال - سبحانه - :(( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )) (الحج:78). وعن عمر بن إسحاق قال : (( لمن أدركت من أصحاب رسول الله × أكثر مما سبقني منهم فما رأيت قوما أيسر سيرة ولا أقل تشديدا منهم)) ( ).

وقد بين الإمام الشاطبي المقصود باليسر بقوله :
(( المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال .
والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم ، الذى جاءت به الشريعة ، فإنه قد مر أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ، ولا تفريط فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع ؛ ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين .
وـ أيضا ـ فإن هذا المذهب كان المفهوم من شأن رسول الله × وأصحابه الأكرمين وقد رد عليه الصلاة والسلام التبتل وقال لمعاذ لما أطال بالناس في الصلاة : (أفتان أنت يا معاذ)وقال:( إن منكم منفرين) وقال : (سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشئ من الدلجة ، والقصد القصد تبلغوا). وقال : (عليكم من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا ).
وقال:( أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه وإن قل). ورد عليهم الوصال . وكثير من هذا وـ أيضا ـ فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل ، ولا تقوم به مصلحة الخلق ، أما في طرف التشديد ؛ فإنه مهلكة ، وأما في طرف الانحلال فكذلك ـ أيضا ـ ؛ لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب العنت ، والحرج بغض إليه الدين ، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة، وهو مشاهد، وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة ، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى واتباع الهوى مهلك . والأدلة كثيرة .
( فصل ) فعلى هذا يكون الميل إلى الرخص في الفتيا بإطلاق مضادا للمشي على التوسط كما أن الميل إلى التشديد مضاد له ـ أيضا ـ .
وربما فهم بعض الناس أن ترك الترخص تشديد فلا يجعل بينهما وسطا . وهذا غلط والوسط هو معظم الشريعة ، وأم الكتاب ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء التام عرف ذلك . وأكثر من هذا شأنه من أهل الانتماء إلى العلم يتعلق بالخلاف الوارد في المسائل العلمية بحيث يتحرى الفتوى بالقول الذى يوافق هوى المستفتي بناء منه على أن الفتوى بالقول المخالف لهواه تشديد عليه ، وحرج في حقه وأن الخلاف ، إنما كان رحمة لهذا المعنى ، وليس بين التشديد والتخفيف واسطة ، وهذا قلب للمعنى المقصود في الشريعة وقد تقدم أن اتباع الهوى ليس من المشقات ، التي يترخص بسببها ، وأن الخلاف إنما هو رحمة من جهة أخرى ، وأن الشريعة حمل على التوسط لا على مطلق التخفيف، وإلا لزم ارتفاع مطلق التكليف من حيث هو حرج ، ومخالف للهوى ولا على مطلق التشديد فليأخذ الموفق في هذا الموضع حذره ؛ فإنه مزلة قدم على وضوح الأمر فيه )) ( ) .
وقال ابن القيم - رحمه الله - :
(( فحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يعارضا بترخص جاف ولا يعرضا لتشديد غال فإن المقصود هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله عز وجل بسالكه ، وما أمر الله عز وجل بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما تقصير وتفريط ، وإما إفراط وغلو ، فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين ؛ فإنه يأتي إلى قلب العبد فيستامه ، فإن وجد فيه فتورا وتوانيا وترخيصا أخذه من هذه الخطة فثبطه وأقعده وضربه بالكسل والتواني والفتور وفتح له باب التأويلات والرجاء وغير ذلك حتى ربما ترك العبد المأمور جملة .وإن وجد عنده حذرا وجدا وتشميرا ونهضة وأيس أن يأخذه من هذا الباب أمره بالاجتهاد الزائد وسول له أن هذا لا يكفيك وهمتك فوق هذا ، وينبغي لك أن تزيد على العاملين ، وأن لا ترقد إذا رقدوا ولا تفطر إذا أفطروا وأن لا تفتر إذا فتروا ، وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغسل أنت سبعا ، وإذا توضأ للصلاة فاغتسل أنت لها ونحو ذلك من الإفراط والتعدي، فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم كما يحمل الأول على التقصير دونه ، وأن لا يقربه ومقصوده من الرجلين إخراجهما عن الصراط المستقيم : هذا بأن لا يقربه ولا يدنو منه ، وهذا بأن يجاوزه ويتعداه وقد فتن بهذا أكثر الخلق ، ولا ينجي من ذلك إلا علم راسخ ، وإيمان وقوة على محاربته ، ولزوم الوسط والله المستعان )) ( ) .

فيسر الشريعة هو الاعتدال والتوسط ، بين الإفراط والتفريط

يقول الله تبارك وتعالى : (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً )) (البقرة:143). قال أبو جعفر الطبري -رحمه الله- : (( وأنا أرى أن(الوسط) في هذا الموضع، هو(الوسط) الذي بمعنى: الجزءُ الذي هو بين الطرفين....وأرى أن الله - تعالى ذكره - إنما وصفهم بأنهم (وسَط)، لتوسطهم في الدين، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هُم أهلُ تقصير فيه، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله، وقتلوا أنبياءَهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوْسطُها )) ( ).

وقد قال سيد المرسلين × : (( إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ ، وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ )) ( ).

ويتحقق منهج التوسط والاعتدال في الدين بترك الغلو والتساهل والأخذ بالوسط .



قاعدة فاسدة : كل ما يسخط الكفار فهو حق وكل ما يفرحهم فهو باطل.
(( وتجدر الإشارة إلى أن بعضهم جعل من أدلته ومبادئه في العمل للإسلام أنه ينظر ما يسخط عدوه فيفعله، وإن كان يضره، وينظر ما يفرح عدوه فيدعه وإن كان ينفعه، وهذا خطأ مخالف للكتاب والسنة والإجماع .
أما الكتاب: فإن الله أمر بالهجرة من بلاد الكفار إذا كان المسلم لا يستطيع إظهار دينه حفظاً لدين المسلم ودمه ، وإن كانت الهجرة تسر وتنفع الكفار كما قال + إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً" (النساء : 97 ) .
أما السنة ما خرجه البخاري من حديث المسور بن مخرمة ومسلم من حديث أنس وغيرهما من قصة صلح الحديبية ، فقد وافق النبي × على شروط مفرحة لكفار قريش ؛ لأن فيها مصلحة له وللمسلمين ولم يمتنع لكونها نافعة لهم .
أما الإجماع: فقد أجمع العلماء على جواز البيع والشراء مع الكفار ، ولم تحرمه الشريعة ؛لأن فيه منفعة لهم ، بل أكدت ذلك بما أخرجه الشيخان عن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي × مات ودرعه مرهونة عند يهودي في صاع من الشعير اشتراه منه )) ( ).

لا يجوز الرجوع في مسائل الجهاد لغير العلماء :
لم يجز كثير من العلماء الرجوع في الفتوى إلى غير المجتهد في أسهل مسائل الدين، فكيف يجيز عاقل لنفسه أن يرجع في أمر الدماء والنفوس إلى أنصاف المتعلمين ،ومن ليس له شهادة من قبل علماء عصره بالعلم والمعرفة؟! لا سيما وأن كثيرا ممن يفتي في هذه المسائل الخطرة من غير العلماء يتخبط تخبطا، ثم يتراجع بعد أن يذيق شباب الأمة الويلات، وما لا طاقة لهم به .
قال حافظ المغرب ابن عبد البر - رحمه الله - :
(( ولكن من كانت هذه حاله [ يعني التقليد لعجزه عن الاجتهاد ] هل تجوز له الفتوى في شرائع دين الله ؟ فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك وتصييرها إلى غير من كانت في يده بقول لا يعرف صحته ولا قام له الدليل عليه ، وهو مقر أن قائله يخطئ ويصيب وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما خالفه فيه ، فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع لزمه أن يجيزه للعامة وكفى بهذا جهلا وردا للقرآن قال الله عز وجل : (ولا تقف ما ليس لك به علم) وقال : (أتقولون على الله ما لا تعلمون) وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ولم يستيقن فليس بعلم وإنما هو ظن والظن لا يغني من الحق شيئا، وقد مضى في هذا الباب عن النبي × وعن ابن عباس –رضي الله عنهما- فيمن أفتى بفتيا وهو يعمى عنها أن إثمها عليه. وثبت عن النبي × أنه قال : ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ) . ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد فأغنى ذلك عن الإكثار )) ( ) .
وقال العلامة ابن حمدان الحنبلي – رحمه الله - : (( ومن صفته وشروطه
[ أي المفتي ] أن يكون مسلما عدلا مكلفا فقيها مجتهدا يقظا صحيح الذهن والفكر والتصرف في الفقه وما يتعلق به )) ( ) .
إن الله تعالى يقول في كتابه العزيز :
(( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً)) (النساء:83).
وقال سبحانه : (( لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)) (المائدة:63).
وقال : (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) (النحل:43).
قال تبارك وتعالى : (( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)) (آل عمران:7). وقال × :
(( من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر )) ( ).
وقال × : (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا )) ( ).
وقد قال النبي × : (( كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة ؟ فقال لا فقتله فكمل به مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ فقال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة )) ( ).
فهذا التائب حين رجع إلى غير أهل العلم كانت نتيجة ذلك أنه ازداد وبالا على وباله فتمم المائة بقتله ، أما حين رجع إلى أهل العلم وصل إلى بغيته وقبلت توبته ودله على ما فيه الرشد والخير له وللناس ،وهذا يشبه واقعنا الحالي حين يرجع الشباب المتحمسون إلى أنصاف المتعلمين، ويذرون كبار العلماء فلا يبوءون إلا بالفشل والندم ولا يحصدون إلا الويلات وما لا يطاق من الشرور والمفاسد وسفك الدماء المعصومة .
عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -قال : (( تكون أمور مشتبهات فعليكم بالتؤدة فإن أحدكم أن يكون تابعا في الخير خير من أن يكون رأسا في الشر )) ( ).
قال العلامة عبد المحسن العباد حفظه الله :
(( وقد رجح تفسير ولاة الأمر بما يشمل العلماء والأمراء القرطبي وابن كثير في تفسيريهما، ويدلّ لطاعة العلماء قول الله عز وجل: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النحل:43) وقوله: (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) (المائدة:63). وقوله : (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (النساء:83). وبالرجوع إلى العلماء تحصل السلامة من الوقوع في الفتن وما يترتّب عليها من أضرار ومفاسد، وتقدّمت الإشارة إلى رجوع ألفين من الخوارج عن باطلهم عندما ناظرهم عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، ورجوع العصابة التي همّت بالخروج على الناس بعد الحجّ لمّا سمعوا من جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- ما يبيّن فساد رأي الخوارج بتخليد مرتكب الكبيرة في النار، وإظهار عروة بن الزبير -رحمه الله- خطأه في فهم قول الله عز وجل : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الآية (البقرة:158)، لمّا بيّنت له خالته عائشة -رضي الله عنها- الفهم الصحيح لمعناها، وقد قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -كما في مصنف عبد الرزاق (20483):( لا يزال الناس صالحين متماسكين ما أتاهم العلم من أصحاب محمد × ومن أكابرهم، فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا). وروى مسلم في أول كتاب الإيمان من صحيحه(8) حديث جبريل المشهور بإسناده إلى يحيى بن يعمر، قال: ( كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجّين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله × فسألناه عمّا يقول هؤلاء في القدر....) وفي هذا رجوع التابعين إلى الصحابة في معرفة حكم ما يقع من أمور مشكلة، سواء كان ذلك في العقائد أو غيرها، وهذا هو الواجب على كلّ مسلم أن يرجع في أمور دينه إلى أهل العلم)) ( ).
(( ولما ذكر شيخ الإسلام أمر قتال أبي بكر الصديق  للمرتدين ولمسيلمة الكذاب ثم تعرض لقتال البغاة والخوارج وما حصل بين علي ومعاوية -رضي الله عنهما - قال (وفي الجملة البحث في هذه الدقائق من وظيفة خواص أهل العلم) ( ) . وشتان بين تقرير مسائل الجهاد نظريا وبين تطبيقها عمليا، فهذا مما تختلف فيه أنظار الناس، ومن أجل ذلك أطبق علماء المسلمين على قاعدة متينة عظيمة وهي:
أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولى من هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله ولا يتقدم بين أيديهم فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ ( ))) ( ).

أقوال العلماء في التحذير من الغلو في التكفير
(( أدرك علماء الإسلام فداحة القول بكفر المسلم فأطبقوا على منع التكفير إلا بدليل ساطع، لا مدافع له، إذ الشهادة بالكفر على الموحد من أعظم الزور والظلم والبهتان.
قال الشوكاني: ( اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن (من قال لأخيه: يا كافر. فقد باء بها أحدهما)... ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير).( )
ويقول ابن تيمية: ( فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزُل ذلك عنه بالشك، بل لا يزال إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة) ( ).
ومثله في الاحتياط وطلب السلامة من هذه البلية قول ابن عبد البر: ( ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له، أن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنىً يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنة والجماعة، وهم أهل الفقه والأثر على أن أحداً لا يخرجه ذنبه - وإن عظم - من الإسلام، وخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر أن لا يكفَّر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة)( ).
ويروي ابن نجيم عن الطحاوي وغيره من علماء الحنفية قولهم بأن المسلم لا يخرج من الإسلام إلا بأمر يتيقن كفر صاحبه: ( ما تيقن أنه ردة يحكم بها، وما يشك أنه ردة لا يحكم بها، إذ الإسلام الثابت لا يزول بشك، مع أن الإسلام يعلو، وينبغي للعالم إذا رفع إليه هذا أن لا يبادر بتكفير أهل الإسلام)( ).
ويقول عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: (وبالجملة فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه، واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام، أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين)( ).
ويقول: (فما تنازع العلماء في كونه كفراً فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام، ما لم يكن في المسألة نص صريح)( ).
وقال الغزالي: (والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأِ في سفك محجمة من دم مسلم )( ).
ويقول -رحمه الله-: ( الوصية: أن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك، ما داموا قائلين: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، غير مناقضين لها ... فإن التكفير فيه خطر، والسكوت لا خطر فيه)( ).
وينقل ابن نجيم عن أهل العلم حرصهم على إعذار المسلم، وتوقفهم عن المبادرة إلى تكفيره مهما وهنت شبهته التي دفعت به إلى ارتكاب المكفِّر، فيقول: (وفي الفتاوى الصغرى: الكفر شيء عظيم، فلا أجعل المؤمن كافراً متى وجدت رواية أنه لا يكفر)( ).
ويقول: ( وفي الخلاصة وغيرها: إذا كان في المسألة وجوه توجب التكفير، ووجه واحد يمنع التكفير، فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير، تحسيناً للظن بالمسلم)( ).
ثم يقرر -رحمه الله- خلاصة رأيه فيقول: (والذي تحرر أنه لا يفتى بتكفير مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره اختلاف، ولو رواية ضعيفة، فعلى هذا فأكثر ألفاظ التكفير المذكورة لا يفتى بالتكفير بها، ولقد ألزمت نفسي أن لا أفتي بشيء منها)( ).
وينقل المليباري اتفاق العلماء قديماً وحديثاً على الاحتياط والتريث في هذه المسألة: (ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظم خطره وغلبة عدم قصده سيما من العوام، وما زال أئمتنا على ذلك قديماً وحديثاً)( ).
لقد أطبق علماء الإسلام زرافاتٍ ووِحداناً على خطورة القول بكفر المسلم، ورأوا أن الخطأ في نسبته إلى الكفر من أعظم الظلم والغبن له، فالأصل فيه السلامة، والإسلام ثبت له بيقين، فلا يرفع إلا بيقين مثله، وما دون هذا اليقين ندفعه بإحسان الظن وتلمس الأعذار والاستتار دون تكفيره بضعيف الروايات احتياطاً للدين وصوناً لأعراض ودماء المسلمين)) ( ).

وقال الشيخ عبد العزيز آل ريس :
(( إن التكفير للأعيان لا يكون في المسائل المتنازع فيها بين أهل السنة أنفسهم ، وأن الخلاف مانع من تكفير المعين . قال الإمام محمد بن عبدالوهاب: أركان الإسلام خمسة ، أولها الشهادتان ، ثم الأركان الأربعة ، فالأربعة إذا أقر بها وتركها تهاوناً ، فنحن وإن قاتلناه على فعلها ، فلا نكفره بتركها ، والعلماء: اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود ، ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم ، وهو الشهادتان ا.هـ ( )
وقال النووي في كتابه ( رياض الصالحين )في تفسير ( بواحاً ):( أي ظاهراً لا يحتمل تأويلاً) .وتنازعُ أهل العلم تأويلٌ يمنع التكفير ؛ لأن للمكفر أن يأخذ قول العلماء الآخرين بما أن الخلاف سائغ بين أهل السنة وهم من أهل السنة ....
ومثله التفسيق لا يكون فيما تنازع فيه علماء السنة، فمن رأى أن علة جريان الربا في الأصناف الأربعة الطعم والكيل أو الوزن ، فليس له أن يفسق العامي المقلد لعالم معتبر في التعليل بالادخار زيادة على الطعم والكيل أو الوزن إذا تبادل على وجه الزيادة فيما هو مطعوم غير مدخر.
ومما يؤكد هذا أن الحدود تدرأ بالشبهات ، فالتكفير من باب أولى يدرأ عن المعين بشبهة الخلاف ، والله أعلم )) ( ).
ويقول ابن بطال وهو يتحدث عن تكفير الخوارج : (( وإذا وقع الشك في ذلك لم يقطع عليهم بالخروج من الإسلام ؛لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين )) ( ).
 
 
طباعة