إستبيان


ممتاز
جيد
عادي
سيىء


روضة السلفيين » مقالات » الملحقات لرسالة التبشير في نصح و تراجعات غلاة التكفير

الملحقات لرسالة التبشير في نصح و تراجعات غلاة التكفير

 
الملحقات
فتوى للعلامة الإمام عبد العزيز بن باز عن الخروج في الجزائر
سئل الإمام العلامة عبد العزيز بن باز -تغمده الله برحمته- هذا السؤال:
الجماعة الإسلامية المسلّحة بالجزائر قَوَّلَتْكم أنكم تؤيّدون ما تقوم به من اغتيالات للشرطة، وحمل السّلاح عموماً، هل هذا صحيح؟ وما حكم فعلهم؛ مع ذكر ما أمكن من الأدلّة جزاكم الله خيراً؟
فأجاب -رحمه الله- بقوله:
"بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، وصلّى الله وسلّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فقد نصحنا إخواننا جميعاً في كل مكان -أعني: الدّعاة-؛ نصحناهم أن يكونوا على علم، وعلى بصيرة، وأن ينصحوا الناس بالعبارات الحسنة والأسلوب الحسن والموعظة الحسنة، وأن يجادلوا بالتي هي أحسن؛ عملاً بقول الله -سبحانه-: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ﴾[النحل:125]، وقوله سبحانه: ﴿ولا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم﴾[العنكبوت:46].
فالله -جلّ وعلا- أمر العباد بالدعوة إلى الله، وأرشدهم إلى الطريقة الحكيمة؛ وهي الدعوة إلى الله بالحكمة، يعني، بالعلم؛ قال الله، قال رسوله، وبالموعظة الحسنة، وجدالهم بالتي هي أحسن.
عند الشّبهة يحصل الجدال بالتي هي أحسن، والأسلوب الحسن، حتى تزول الشّبهة، وإن كان أحد من الدّعاة في الجزائر قال عنّي: قلت لهم: يغتالون الشّرطة، أو يستعملون السّلاح في الدعوة إلى الله؛ هذا غلط، ليس بصحيح، بل هو كذب!
إنما تكون الدعوة بالأسلوب الحسن: قال الله، قال رسوله، بالتّذكير والوعظ، والتّرغيب والتّرهيب، هكذا الدعوة إلى الله كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في مكّة المكرمة قبل أن يكون لهم سلطان، ما كانوا يدعون الناس بالسّلاح، يدعون الناس بالآيات القرآنية، والكلام الطيّب، والأسلوب الحسن؛ لأنّ هذا أقرب إلى الصّلاح، وأقرب إلى قبول الحق.
أما الدعوة بالاغتيالات، أو بالقتل، أو بالضرب؛ فليس هذا من سنّة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا من سنّة أصحابه، لكن لمّا ولاّه الله المدينة، وانتقل إليها مهاجراً كان السّلطان له في المدينة، وشرع الله الجهاد، وإقامة الحدود، جاهد -عليه الصلاة والسلام- المشركين، وأقام الحدود بعد ما أمر الله بذلك.
فالدّعاة إلى الله عليهم أن يدعوا إلى الله بالأسلوب الحسن: بالآيات القرآنية، والأحاديث النّبوية، وإذ لم تُجدِ الدعوة رفعوا الأمر للسّلطان، ونصحوا للسّلطان حتى ينفّذ، السّلطان هو الذي ينفّذ؛ يرفعون الأمر إليه، فينصحونه بأنّ الواجب كذا، والواجب كذا؛ حتى يحصل التّعاون بين العلماء وبين الرؤساء من الملوك والأمراء ورؤساء الجمهوريّات.
الدّعاة يرفعون الأمر إليهم في الأشياء التي تحتاج إلى فعل: إلى سجن، إلى قتل، إلى إقامة حدّ، وينصحون ولاة الأمور ويوجّهونهم إلى الخير؛ بالأسلوب الحسن، والكلام الطيّب، ولهذا قال -جلّ وعلا-: ﴿ولاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتابِ إلاَّ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم﴾[العنكبوت:46]، فلو ظلم أحد من أهل الكتاب أو غيرهم؛ فعلى وليّ الأمر أن يعامله بما يستحق. أما الدّعاة إلى الله؛ فعليهم بالرّفق والحكمة؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنّ الرّفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزَع من شيء إلا شانه»، ويقول -عليه الصلاة والسلام-: «مَن يُحْرَم الرّفق يحرم الخير كله»، فعليهم أن يَعِظوا الناس، ويذكّروهم بالعذاب، والأحاديث، ومن كان عنده شبهة يجادلونه بالتي هي أحسن: الآية معناها كذا، الحديث معناه كذا، قال الله كذا، قال رسوله كذا؛ حتى تزول الشّبهة، وحتى يظهر الحق.
هذا هو الواجب على إخواننا في الجزائر؛ وفي غير الجزائر، فالواجب عليهم أن يسلكوا مسلك الرسول -عليه الصلاة والسلام- حين كان في مكّة، والصّحابة كذلك؛ بالكلام الطيّب، والأسلوب الحسن؛ لأنّ السلطان ليس لهم الآن لغيرهم. وعليهم أن يناصحوا السلطان والمسؤولين بالحكمة، والكلام الطيب، والزّيارات بالنيّة الطيبة؛ حتى يتعاونوا على إقامة أمر الله في أرض الله، وحتى يتعاون الجميع في ردع المجرم وإقامة الحق؛ فالأمراء والرّؤساء عليهم التّنفيذ، والعلماء والدّعاة إلى الله عليهم النصيحة والبلاغ والبيان.
نسأل الله للجميع الهداية "( ).
----------------------------------------
رسالة الشيخ ابن عثيمين إلى أمير الجماعة المسلحة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العُثيمين إلى الأخ المكرم: حسان حطاب، أمير الجماعة المسلحة في منطقة الجزائر -حفظه الله تعالى-:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فإنَّ الله -تعالى- قال: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[الأنفال: 1].
وقال -عز وجل-: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾[آل عمران: 103].
وقال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «كونوا عباد الله إخواناً، المسلمُ أخو المسلم».
ولقد منَّ الله -تعالى- على كثير من إخواننا في الجزائر فألقوا السِّلاحَ، وأطفأوا الفتنة، وحصل لهم وللشعب الجزائري خيرٌ كثيرٌ.
وإنَّا لنرجو الله -عز وجل- أن تكونوا -أيُّها الأمير- مثلهم عن قريب، والأمور التي فيها اختلاف بينكم؛ يُمكن حلُّها بالطرق السلميَّة والتفاهم، وسيتمُّ ذلك -إن شاء الله- مع نيَّة الإصلاح وسلوك الطريق الموصل إلى ذلك، قال الله -تعالى- في الحَكَمين في شقاق الزوجين: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا﴾[النساء: 35].
آملُ منكم أيُّها الأمير أن تُبادروا بالإصلاح، ووضع السِّلاح، وفَّقكم الله للخير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجمعة (14 ربيع الأول سنة 1421هـ)
عنيزة/ الجامع الكبير( ).
------------
نصيحة الشيخ ابن عثيمين إلى الجماعات المسلحة بالجزائر
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى إخواني في الجزائر الذين ما زالوا يحملون السلاح في الجبال والرِّمال -وفَّقهم الله لِما فيه الخير والصلاح-:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فإنَّ الواجب عليَّ أن أُبدي النصيحة لكم؛ لأنَّ ذلك من الدِّين؛ كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ: «الدِّين النصيحة: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين وعامَّتهم».
فنصيحتي لكم: أن تُلقوا السِّلاحَ، وتحملوا السلام، وتُجيبوا ما دعت إليه الحكومة من المصالحة والسلام، ثمَّ يجري بين الجميع التفاهم، وتحكيم الكتاب والسنة؛ وهذا سيكون فيه خيرٌ كثيرٌ، والخلاص من الفتن والقتال.
وهذا-أعني: وضع السلاح، وحمل السلام- واجب على الجميع.
فالله الله أيُّها الإخوة بالمبادرة إلى المصالحة والتفاهم!
وأسأل الله لنا ولكم التوفيق، وأن يجعلنا من دعاة الخير وأنصار الحقِّ؛ إنَّه جوادٌ كريم.
وصلى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
كتبه الفقير إلى الله -تعالى- محمد بن صالح العثيمين.
في مكة المكرمة، يوم الأربعاء السادس عشر من ذي الحجة عام (1420هـ) ( ).
-------------
فتوى للإمام العلامة ابن عثيمين يحذر فيها من الخروج على الحاكم
"السؤال: فضيلة الشيخ: ثبت في الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من مات وليس في عنقه بيعة لأحد مات ميتة جاهلية»، ومعلوم: أنه في أكثر بلاد المسلمين اليوم لا يتحقق هذا الأمر، وأنه ليس في عنقهم بيعة، لأسباب كثيرة؛ منها: الاضطرابات السياسية، والانقلابات وغيرها.
فكيف يخرج المسلمون في تلك البلاد من هذا الإثم
وهذا الوعيد -جزاك الله خيراً-؟
الجواب: المعروف عند أهل العلم: أن البيعة لا يلزم منها رضى كل واحد؛ وإلا من المعلوم أن في البلاد من لا يرضى أحد من الناس أن يكون وليّاً عليه، لكن إذا قهر الولي، وسيطر وصارت له السلطة؛ فهذا هو تمام البيعة، لا يجوز الخروج عليه؛ إلا في حالة واحدة استثناها النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان».
فقال: «إلا أن تروا» والرؤية إما بالعين أو بالقلب، الرؤية بالعين بصرية، وبالقلب علمية.
بمعنى: أننا لا نعمل بالظن، أو بالتقديرات، أو بالاحتمالات؛ بل لابد أن نعلم علم اليقين، وأن نرى كفراً لا فسوقاً، يعني مثلاً: الحاكم لو كان أفسق عباد الله؛ عنده شرب خمر، وغيره من المحرمات، وهو فاسق؛ لكن لم يخرج من الإسلام؛ فإنه لا يجوز الخروج عليه؛ وإن فسق؛ لأن مفسدة الخروج عليه أعظم بكثير من مفسدة معصيته التي هي خاصة به.
الثالث قال: «بواحاً»، البواح يعني: الصريح، والأرض البواح: هي الواسعة التي ليس فيها شجر ولا مدر ولا جبل؛ بل هي واضحة للرؤية، لابد أن يكون الكفر بواحاً ظاهراً؛ ما يشك فيه أحد، مثل: أن يدعو إلى نبذ الشريعة، أو أن يدعو إلى ترك الصلاة، وما أشبه ذلك من الكفر الواضح الذي لا يحتمل التأويل.
فأما ما يحتمل التأويل؛ فإنه لا يجوز الخروج عليه؛ حتى وإن كنا نرى نحن أنه كفر، وبعض الناس يرى أنه ليس بكفر، فإننا لا يجوز لنا الخروج عليه؛ لأن هذا ليس بواحاً.
الرابع: «عندنا فيه من الله برهان»: «أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان»؛ فإن لم يكن عندنا برهان أي: دليل واضح؛ ليس مجرد اجتهاد أو قياس، بل هو بين واضح أنه كفر، حينئذٍ يجوز الخروج.
ولكن هل معنى جواز الخروج: أنه جائز بكل حال، أو واجب على كل حال؟
الجواب: لا؛ لا بد من قدرة على منابذة هذا الوالي الذي رأينا فيه الكفر البواح، أما أن نخرج عليه بسكاكين المطبخ، وعواميل البقر، ولديه دبابات وصواريخ؛ فهذا سفه في العقل وضلال في الدين! لأن الله لم يوجب الجهاد على المسلمين حين كانوا ضعفاء في مكة ما قال: اخرجوا على قريش وهم عندهم، ولو شاءوا لاغتالوا كبراءهم وقتلوهم، لكنه لم يأمرهم بهذا، ولم يأذن لهم به، لماذا؟ لعدم القدرة.
وإذا كانت الواجبات الشرعية التي لله -عز وجل- تسقط بالعجز؛ فكيف هذا الذي سيكون فيه دماء؟!
يعني: ليس إزالة الحاكم بالأمر الهين، أو مجرد ريشة تنفخها وتروح، لا بد من قتال منك وقتال منه، وإذا قتل فله أعوان، فالمسألة ليست بالأمر الهين، حتى نقول بكل سهولة: نزيل الحاكم، ونقضي عليه؛ وينتهي كل شيء.
فلا بد من القدرة، والقدرة الآن ليست بأيدي الشعوب فيما أعلم؛ والعلم عند الله -عز وجل-، ليس في أيدي الشعوب قدرة على إزالة مثل هؤلاء القوم الذين نرى فيهم كفراً بواحاً.
ثم إن القيود التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- قيود صعبة، من يتحقق من هذا الحاكم مثلاً، علمنا أنه كافر علم اليقين؛ نراه كما نرى الشمس أمامنا، ثم علمنا أن الكفر بواح ما يحتمل التأويل، ولا فيه أي أدنى لبس، ثم عندنا دليل من الله وبرهان قاطع؛ هذه قيود صعبة.
أما مجرد أن يظن الإنسان أن الحاكم كفر، هذا ما هو صحيح أنه يكفر، لا بد من إقامة الحجة، وأنتم تعلمون أنه ما ضر الأمة من أول ما ضرها في عهد الخلفاء الراشدين إلا التأويل الفاسد، والخروج على الإمام.
الخوارج لماذا خرجوا على علي بن أبي طالب؟ قالوا: لأنه حكَّم غير القرآن.
كانوا في الأول معه على جيش معاوية، ولما رضي بالصلح والتحاكم إلى القرآن؛ قالوا: خلاص أنت الآن حكمت آراء الرجال، ورضيت بالصلح؛ فأنت كافر، فسوف نقاتلك.
فانقلبوا عليه بماذا؟ بالتأويل.
وليس كل ما رآه الإنسان يكون هو الحق، قد ترى أنت شيئاً محرماً، أو شيئاً معصية، أو شيئاً كفراً؛ وغيرك ما يراه كذلك، أليس نرى نحن أن تارك الصلاة كافر؟
نرى ذلك – لا شك - يأتي غيرنا ويقول: ليس بكفر.
والذي يقول: ليس بكفر علماء ليس ناس أهل هوى، علماء لكن هذا الذي أدى لهم اجتهادهم، فإذا كان العلماء من أهل الفقه قد يرون ما هو كفر في نظر الآخرين ليس بكفر؛ فما بالك بالحكام الذين بعضهم عنده من الجهل ما عند عامة الناس.
فالمهم أن هذه المسائل مسائل صعبة وخطيرة، ولا ينبغي للإنسان أن ينساب وراء العاطفة أو التهييج، بل الواجب أن ينظر بنظر فاحص متأنٍ متروي، وينظر ماذا يترتب على هذا الفعل.
ليس المقصود أن الإنسان يبرد حرارة غيظته فقط، المقصود إصلاح الخلق، وإلا فالإنسان لا شك أنه يلحقه أحياناً غيرة، ويمتلئ غيظاً مما وقع، أو وقع من بعض الولاة، لكن يرى أن من المصلحة أن يعالج هذه المشكلة بطريق آخر غير التهييج.
وكما قلت لكم: إن بعض الناس يظن أن هذا سببٌ يقتضي الضغط على ولي الأمر حتى يفعل ما يرى هذا القائل أنه إصلاح، ولكن هذا غير مناسب في مثل بلادنا"( ).
-------------
إنكار المحدث الألباني للخروج في مصر وسوريا والجزائر والحرم المكي
قال الإمام المحدث مجدد العصر محمد ناصر الدين الألباني -عليه سحائب الرحمة والرضوان- تحت قول عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-: "بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله [إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان]، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا؛ لا نخاف في الله لومة لائم" ما نصه:
"ثم إن في هذا الحديث فوائد ومسائل فقهية كثيرة، تكلم عليها العلماء في شروحهم؛ وبخاصة منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري»، والذي يهمني منها -هنا- أن فيه ردّاً صريحاً على الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، فإنهم يعلمون دون أي شك أو ريب أنه لم يروا منه كفراً بواحاً، ومع ذلك استحلوا قتاله وسفك دمه؛ هو ومن معه من الصحابة والتابعين، فاضطر -رضي الله عنه- لقتالهم واستئصال شأفتهم، فلم ينج منهم إلا القليل، ثم غدروا به -رضي الله عنه-؛ كما هو معروف في التاريخ.
والمقصود أنهم سنوا في الإسلام سنة سيئة، وجعلوا الخروج على حكام المسلمين ديناً على مر الأزمان والأيام، رغم تحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم في أحاديث كثيرة، منها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الخوارج كلاب أهل النار»، ورغم أنهم لم يروا كفراً بواحاً منهم، وإنما دون ذلك من ظلم وفجور وفسق.
واليوم -والتاريخ يعيد نفسه كما يقولون-؛ فقد نبتت نابتة من الشباب المسلم؛ لم يتفقهوا في الدين إلا قليلاً، ورأوا أن الحكام لا يحكمون بما أنزل الله إلا قليلاً، فرأوا الخروج عليهم دون أن يستشيروا أهل العلم والفقه والحكمة منهم، بل ركبوا رؤوسهم؛ أثاروا فتناً عمياء، وسفكوا الدماء، في مصر، وسوريا، والجزائر، وقبل ذلك فتنة الحرم المكي، فخالفوا بذلك هذا الحديث الصحيح الذي جرى عليه عمل المسلمين سلفاً وخلفاً إلا الخوارج.
ولما كان يغلب على الظن أن في أولئك الشباب من هو مخلص يبتغي وجه الله، ولكنه شُبِّهَ له الأمر، أو غُرِّرَ به؛ فأنا أريد أن أوجه إليهم نصيحة وتذكرة، يتعرفون بها خطأهم، ولعلهم يهتدون؛ فأقول:
من المعلوم أن ما أمر به المسلم من الأحكام منوط بالاستطاعة؛ حتى ما كان من أركان الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾[آل عمران: 97]، وهذا من الوضوح بمكان؛ فلا يحتاج إلى تفصيل.
والذي يحتاج إلى التفصيل؛ إنما هو التذكير بحقيقتين اثنتين:
الأولى: أن قتال أعداء الله -من أي نوع كان- يتطلب تربية النفس على الخضوع لأحكام الله واتباعها؛ كما قال-صلى الله عليه وسلم-: «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله».
والأخرى: أن ذلك يتطلب الإعداد المادي والسلاح الحربي؛ الذي ينكأ أعداء الله؛ فإن الله أمر به أمير المؤمنين فقال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[الأنفال: 60].
والإخلال بذلك مع الاستطاعة؛ إنما هو من صفات المنافقين، ولذلك قال فيهم رب العالمين: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾[التوبة: 46].
وأنا أعتقد جازماً أن هذا الإعداد المادي لا يستطيع اليوم القيام به جماعة من المؤمنين؛ دون علم من حكامهم -كما هو معلوم-، وعليه؛ فقتال أعداء الله من جماعة ما سابق لأوانه؛ كما كان الأمر في العهد المكي، ولذلك؛ لم يؤمروا به إلا في العهد المدني؛ وهذا هو مقتضى النص الرباني: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾[البقرة: 286].
وعليه؛ فإني أنصح الشباب المتحمس للجهاد، والمخلص حقّاً لرب العباد: أن يلتفتوا لإصلاح الداخل، وتأجيل الاهتمام بالخارج الذي لا حيلة فيه، وهذا يتطلب عملاً دؤوباً، وزمناً طويلاً؛ لتحقيق ما أسميه بـ: (التصفية والتربية)؛ فإن القيام بهذا لا ينهض به إلا جماعة من العلماء الأصفياء، والمربين الأتقياء، فما أقلهم في هذا الزمان؛ وبخاصة في الجماعة التي تخرج على الحكام!
وقد ينكر بعضهم ضرورة هذه التصفية؛ كما هو واقع بعض الأحزاب الإسلامية، وقد يزعم بعضهم أنه قد انتهى دورها، فانحرفوا إلى العمل السياسي أو الجهاد، وأعرضوا عن الاهتمام بالتصفية والتربية، وكلهم واهمون في ذلك، فكم من مخالفات شرعية تقع منهم جميعاً بسبب الإخلال بواجب التصفية، وركونهم إلى التقليد والتلفيق؛ الذي به يستحلون كثيراً مما حرم الله، وهذا هو المثال: الخروج على الحكام؛ ولو لم يصدر منهم الكفر البواح!
وختاماً أقول: نحن لا ننكر أن يكون هناك بعض الحكام يجب الخروج عليهم؛ كذاك الذي كان أنكر شرعية صيام رمضان، والأضاحي في عيد الأضحى، وغير ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة، فهؤلاء يجب قتالهم بنص الحديث، ولكن بشرط الاستطاعة -كما تقدم-.
لكن مجاهدة اليهود المحتلين للأرض المقدسة، والسافكين لدماء المسلمين أوجب من قتال مثل ذاك الحاكم من وجوه كثيرة؛ لا مجال الآن لبيانها، من أهمها: أن جند ذاك الحاكم من إخواننا المسلمين، وقد يكون جمهورهم -أو على الأقل الكثير منهم- عنه غير راضين، فلماذا لا يجاهد هؤلاء الشباب المتحمس اليهود، بدل مجاهدتهم لبعض حكام المسلمين؟!
أظن أنْ سيكون جوابهم: عدم الاستطاعة؛ بالمعنى المشروح سابقاً، والجواب هو جوابنا، والواقع يؤكد ذلك؛ بدليل أن خروجهم -مع تعذر إمكانه- لم يثمر شيئاً؛ سوى سفك الدماء سدى! والمثال -مع الأسف الشديد- لا يزال ماثلاً في الجزائر؛ فهل من مدكر؟!"( ).
مقال (الأسماء لا تغير الحقائق)
للعلامة الشيخ صالح الفوزان
إن من المغالطات المكشوفة تسمية الأشياء بغير اسمها؛ تلبيساً على الناس، وتغريراً بالجهال، ومن ذلك: تسمية التخريب، والاعتداء على الناس، وسفك الدماء المحرمة، وإتلاف الممتلكات؛ مما تقوم به تلك الفئة الضالة، ويسمون ذلك: جهاداً في سبيل الله! ويسمون الانتحار: استشهاداً!!
وربما ينخدع بعض الناس -خصوصاً صغار السن- بهذا التضليل، وينخرطون معهم في الإفساد في الأرض، ونقول لهؤلاء؛ ومن اغتر بهم:
أولاً: الجهاد في سبيل الله هو قتال الكفار والمشركين لإزالة الشرك، ونشر التوحيد؛ بعد دعوتهم إلى الله، وامتناعهم من قبول الدعوة.
وتنظيم الجهاد، والإشراف عليه من صلاحيات إمام المسلمين؛ لأن الذي تولاه في عصور الإسلام كلها هم ولاة الأمور؛ ابتداء بالرسول -صلى الله عليه وسلم-، وخلفائه، ومن جاء بعدهم من ولاة أمور المسلمين، وليس الجهاد فوضى، كل يقوم به ويأمر به!!
والله -تعالى- يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾[التوبة: 38]، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: «وإذا استنفرتم فانفروا»؛ فلا يجوز للمسلم أن يجاهد إلا إذا استنفر للجهاد، والذي يستنفر هو ولي أمر المسلمين؛ إذا توفرت شروط الجهاد، وزالت موانعه.
ثانياً: الجهاد لا يكون بقتل المسلمين والمستأمنين، وإنما يكون مع الكفار المحاربين.
وأما قتل المسلمين والكفار المستأمنين؛ فإنه عدوان وظلم، والله قد حرم العدوان والظلم في حق المسلم والكافر، وليس هذا العدوان جهاداً في سبيل الله، وإنما هو جهاد في سبيل الشيطان، والمسلم لا يرضى أن يكون من جند الشيطان ومن أولياء الشيطان.
ثالثاً: لا يجوز قتل الكافر المستأمن والمعاهد والذمي؛ بحجة أن الكفار الآن يقتلون المسلمين، كما يحتج بذلك الجهال؛ لأن الله -تعالى- يقول: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]، وهذا من فعل الجاهلية الذين كانوا يقتلون البريء بحجة الانتقام من المجرم، وأيضاً هذا قتل لمن يحرم قتله.
رابعاً: الانتحار ليس استشهاداً؛ لأن المنتحر يتعمد قتل نفسه، ومن قتل نفسه فهو متوعد بالنار، كما صحت بذلك الأحاديث، والله -تعالى- يقول: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً﴾[آل عمران: 169]، ولم يقل: قتلوا أنفسهم، والمقتول في سبيل الله مأجور، وقاتل نفسه آثم ففرق بين الحالتين، ولا يسوي بينهما إلا ملبس أو جاهل!
فنصيحتي لهؤلاء الذين غُرِّر بهم وخدعوا بهذا الفكر المنحرف:
أن يرجعوا إلى صوابهم، ويتوبوا إلى ربهم، ويلقوا سلاحهم، ويضعوا أيديهم بأيدي إخوانهم. وولاة الأمور - حفظهم الله- قد وعدوا من سلم نفسه تائباً أنه سيعامل معاملة خاصة.
والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه( ).

تمت بحمد الله

(7) "مدارك النظر" (ص290).
(8) "فتاوى العلماء الأكابر" (ص178).
(9) "فتاوى العلماء الأكابر" (ص167).
(10)"لقاءات الباب المفتوح" (94/ 12).
(11) "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، المجلد السابع، رقم (3418)، (ص1240-1243).
(12) جريدة "الجزيرة"، العدد (11590)، الثلاثاء (4 جمادى الأولى 1425/22 يونيو 2004) -كذا في مقالات للشيخ الفوزان (1/ 17)-.
 
 
طباعة