|
|
|
|
|
|
|
|
 |
|
| |
الفصل السادس أهمية مناصحة أصحاب الفكر المنحرف
إن مناصحة أصحاب الفكر التكفيري لمن أهم الأمور، وأفضل الأعمال، وأجل الصالحات؛ فإن الله -تبارك وتعالى- يقول في كتابه العزيز: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)﴾[التوبة: 71]، وروى مسلم في «صحيحه» عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ -رضي الله عنه-: أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ، الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»، وروى الشيخان عَنْ جَرِيرٍ بن عبد الله -رضي الله عنه- قَالَ:"بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ". وهذا المسلك الحميد والسبيل القويم قد سلكه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الخوارج، قال أبو زميل سماك الحنفي: حدثنا عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لما خرجت الحرورية اجتمعوا في دار وهم ستة آلاف، أتيت عليّاً؛ فقلت: يا أمير المؤمنين! أبرد بالظهر، لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم، قال: إني أخاف عليك، قلت: كلا". قال ابن عباس: "فخرجت إليهم، ولبست أحسن ما يكون من حلل اليمن"، قال أبو زميل: كان ابن عباس جميلاً جهيراً. قال ابن عباس: "فأتيتهم وهم مجتمعون في دارهم قائلون، فسلمت عليهم؛ فقالوا: مرحباً بك يا ابن عباس، فما هذه الحلة؟". قال: "قلت: ما تعيبون علي؟! لقد رأيت على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أحسن ما يكون من الحلل، ونزلت: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾[الأعراف: 32]، قالوا: فما جاء بك؟ قلت: أتيتكم من عند صحابة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من المهاجرين والأنصار لأبلغكم ما يقولون، المخبرون بما يقولون، فعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بالوحي منكم، وفيهم أنزل، وليس فيكم منهم أحد. فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشاً؛ فإن الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾[الزُّخرُف: 58]. قال ابن عباس: وأتيت قوماً لم أر قوماً قط أشد اجتهاداً منهم! مسهمة وجوههم من السهر، كأن أيديهم وركبهم تثني عليهم، فمضى من حضر، فقال بعضهم: لنكلمنه، ولننظرن ما يقول. قلت: أخبروني ماذا نقمتم على ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وصهره والمهاجرين والأنصار؟ قالوا: ثلاثاً. قلت: ما هن؟ قالوا: أما إحداهن؛ فإنه حكم الرجال في أمر الله؛ وقال الله -تعالى- ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾[الأنعام: 57، وغيرها]، وما للرجال وما للحكم؟ فقلت هذه واحدة. قالوا: وأما الأخرى؛ فإنه قاتل ولم يسب، ولم يغنم، فلئن كان الذي قاتل كفاراً؛ لقد حل سبيهم وغنيمتهم، ولئن كانوا مؤمنين؛ ما حل قتالهم. قلت: هذه ثنتان، فما الثالثة؟ قال: إنه محا نفسه من أمير المؤمنين؛ فهو أمير الكافرين! قلت: أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا هذا. فقلت لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله، ومن سنة نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- ما يرد به قولكم أترضون؟ قالوا: نعم. فقلت: أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله، فأنا أقرأ عليكم ما قد رد حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم في أرنب ونحوها من الصيد؛ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾[المائدة:95]، فنشدتكم الله! أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل؟ أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم؟ وأن تعلموا أن الله لو شاء لحكم؛ ولم يصير ذلك إلى الرجال، وفي المرأة وزوجها قال الله -عز وجل-: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا﴾[النساء:35]، فجعل الله حكم الرجال سنة مأمونة، أخرجت عن هذه؟ قالوا: نعم. قال: وأما قولكم: قاتل ولم يسب، ولم يغنم؛ أتسبون أمكم عائشة، ثم تستحلون منها ما يستحل من غيرها؟! فلئن فعلتم لقد كفرتم؛ وهي أمكم، ولئن قلتم: ليست أمنا؛ لقد كفرتم، فإن كفرتم؛ فإن الله يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾[الأحزاب:6]، فأنتم تدورون بين ضلالتين؛ أيهما صرتم إليها صرتم إلى ضلالة، فنظر بعضهم إلى بعض! قلت: أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. وأما قولكم: محا اسمه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون. ورأيكم، قد سمعتم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية كاتب سهيل بن عمرو وأبا سفيان بن حرب؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأمير المؤمنين: اكتب يا علي: هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله؛ فقال المشركون: لا والله ما نعلم أنك رسول الله، لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اللهم إنك تعلم أني رسول الله، اكتب يا علي: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله، فوالله لرسول الله خير من علي؛ وما أخرجه من النبوة حين محا نفسه. قال عبد الله بن عباس: فرجع من القوم ألفان، وقتل سائرهم على ضلالة ". أخرجه الحاكم وقال: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. وروى الإمام مسلم عن يَزِيد الْفَقِير قَالَ: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِى رَأْيٌ مِنْ رَأْي الْخَوَارِجِ، فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ؛ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ". قَالَ: "فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ -جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-". قَالَ: "فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ..". قَالَ: "فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ! مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ؟! وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾[آل عمران:192]، وَ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾[السجدة:20]؛ فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟!". قَالَ: "فَقَالَ أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ -عليه السلام- يَعْنِي: الَّذِي يَبْعَثُهُ اللَّهُ فِيهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ. قَالَ: "ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ، وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ". قَالَ: وَأَخَافُ أَنْ لاَ أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ". قَالَ: "غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْماً يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا". قَالَ: يَعْنِي: فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ". قَالَ: " فَيَدْخُلُونَ نَهْراً مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ؛ فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ. فَرَجَعْنَا قُلْنَا: وَيْحَكُمْ! أَتُرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؟! فَرَجَعْنَا، فَلاَ وَاللَّهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ"، أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ.
|
|
|
 |
|
| |
|
|
|
|
|
|