|
|
|
|
|
|
|
|
 |
|
| |
الفصل الثالث التراجعات الجزائرية
لقد انقاد شباب متحمس في الجزائر لشباب من ذوي الاتجاه السياسي الثوري؛ من المتأثرين بأفكار سيد قطب؛ فساروا وراءهم إلى حافة الهلاك! بدأ أولئك القادة بالخطب السياسية الثورية، وبعد أن نالوا إعجاب الملايين، وصفق لهم من العوام الجم الغفير؛ أرادوا أن يتوصلوا إلى الحكم من خلال أصوات أولئك الجماهير؛ فدخلوا في الانتخابات، وخاضوا غمارها، ظانين أنهم سيصلون من خلال الديمقراطية إلى الحكم بالإسلام! ولكن كانت النتيجة أنه لم يسلم لهم الحكم، ولم تنفعهم تلك الوسائل الغربية لتسلم زمام الأمور في الدولة، فقادهم ذلك الاستفزاز من حكومتهم، وحبهم الشديد للجلوس على كرسي الحكم لدفع شباب التحمس والعواطف الهوجاء إلى ما فيه خسران الدين والدنيا، وهلاك الحرث والنسل؛ حثوهم على الخروج المسلح على الحاكم إذ لم يجد معهم الطرق السلمية الغربية، وزيادة في الضلال والتضليل للشباب المتحمس أوهموهم أن كبار العلماء يؤيدونهم في هذا الخروج المسلح. وما إن خرج أولئك الشباب إلى الجبال كالسيل العارم في اندفاع عظيم، وحماس كبير، وأوهام عظيمة؛ حتى بدأت الفتاوى الخارجية تأتيهم من هنا وهناك؛ لينقسم أولئك الذين استدرجهم الشيطان، وسولت لهم نفوسهم لسلوك سبيل الغلو في الدين الذي نهى عنه رب العالمين ورسوله الأمين -صلى الله عليه وسلم- إلى أقسام، منهم قسم يكفر الشعب الجزائري بأكمله؛ إلا من كان على مثل فكرهم الضال، ويبيح قتل النساء والأطفال وأئمة المساجد بتأويلات سخيفة، فعاثوا في الأرض فساداً باسم الدين والجهاد، فصاروا يغيرون على القرى معتقدين كفر أهلها؛ لكونهم لم ينضموا إليهم؛ فينهبون الأموال، ويقطعون الطريق، ويسبون النساء المسلمات ليحملن منهم سفاحاً، ويقطعون أوصال الفلاحين المساكين بالفؤوس على رؤوسهم، أو بنحو ذلك من الطرق الوحشية، ويقتلون النساء والأطفال بفتوى من بعض مشايخهم. وقد ألف في إثبات ذلك عليهم مع الإبطال والتفنيد الشيخ الفاضل عبد المالك رمضاني الجزائري -حفظه الله- كتاباً كبيراً، وسمه بـ: «تخليص العباد من وحشية أبي القتاد الداعي إلى قتل النسوان وفلذات الأكباد»، فاقرأ فيه عنهم ما تتزلزل له القلوب من الفتاوى الخارجية لتعلم أن الخوارج لا يزالون موجودين بيننا على مر الدهور وكر العصور؛ كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-. ومن الجرائم التي ارتكبها أحدهم: أنه قتل والديه لإرادتهما أن يزوجوا أخته لشرطي، وقد نشرت مجلة «القتال» التي تصدرها الجماعة الإسلامية المسلحة بالجزائر خبر هذا الرجل، والثناء على ما فعل، والتشجيع على مثله! وكانت جرائمهم تتضاعف في شهر رمضان؛ لأنه شهر الغزوات، وقد تقصد هؤلاء قتل السلفيين؛ لا سيما الدعاة، وطلبة العلم، وأئمة المساجد، والخطباء؛ فقتلوا منهم عدداً، وتخفى منهم عدد؛ حتى كان لا يخرج إلى صلاة الفجر والمغرب والعشاء، وكانوا يخططون للإيقاع بهم عند السلطة، وكان بعضهم يتقصد أن يقوم بالعمليات المسلحة بجانب بيوتهم بغرض الإيقاع به، فسجن وتضرر كثير منهم مظلوماً. قال الشيخ عبد المالك رمضاني -حفظه الله-: "ولئن قلتَ كما قيل: لعلّ هذه التّصرّفات من قبل النّظام نفسه لتشويه الدّعوة؟ قلنا لك: - (لعلّ) هذه تقابلها (لعلّ) أخرى؛ هذا أوّلاً. - وثانياً: من فتح الباب للنّظام حتّى يشوّه الدّعوة؟ لماذا لم يستطع ذلك ولم يفعله أيّام كانت الدّعوة تعرف أين تضع خطاها؟! لو لم تُسمعوا النّاس في خطبكم أنّكم ستقاتلون الممتنعين من الشّرائع -وتهديدات عليّ بن حاج نفسه معروفة -؛ ما كان للنّظام سبيل إلى تشويه دعوتكم، وإلاّ فهو تعاون منكم مع النّظام على الإثم والعدوان من حيث لا تشعرون، وهو دليل على غفلتكم؛ لأنّكم استُغللتم، فاختاروا! وقد قيل: لا تفتح باباً يُعييك سدُّه، ولا تَرْمِ سهماً يُعجِزك رَدُّه! - وثالثاً: لو لم يكن لهذه التّصرّفات أصل عند الجبهة المسلّحة؛ فما الّذي يمنعها من الإنكار، وهي تملك (إذاعة الوفاء)، بل تصرّح فيها بأنّها مسؤولة عن كثير منها، بل وتهدد -أيضاً- بالقتل، وتأمر به...". انتهى كلامه( 2 ).
وقسم آخر من الخارجين على الدولة ظن أنه ناج منهما؛ فاقتصر في القتل والتكفير على أفراد الشرطة؛ حتى لو كانوا يشهدون الشهادتين، ويصلون، ويصومون. وكل من كان في الجيش فقد كان مستباح الدم؛ حتى لو كان في الخدمة الإجبارية، بل حتى لو كان صواماً قواماً، وكان قتل هؤلاء بدون إنذار مسبق.
وأما بائع الدخان، وموظف الضرائب والجمارك؛ فيقتل بعد إنذار سابق إن استمر في عمله. وتقتل المتبرجة لتكون عبرة لغيرها عند هؤلاء الخوارج. ومن هؤلاء من قتل أباه بحجة أنه كان يؤوي ابنه في إجازته العسكرية.
وبعد أن طال الأمد، وقتل عشرات الآلاف من المسلمين آن الأوان ليستيقظ أولئك الشباب المغرر بهم من قبل الشيطان والنفس ورؤساء الضلال، وبدأت أفكار التراجع تراودهم بعد أن باء بإثمهم أولئك الثوريون المستغلون لحماس حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، والتفافهم حولهم؛ فبدأوا يسألون العلماء، ويتصلون بهم؛ فإذا هم يصدمون بأن العلماء جميعاً على تحريم ما هم عليه، وتضليل المسلك الذي سلكوه، ووضح لهم أنهم في تصديقهم لنقل من نقل لهم من الثوريين والسياسيين عن العلماء موافقتهم لهم في خروجهم ما كان إلا من اتباع الظن، والدخول في دائرة الأوهام.
وقد كان التراجع الأكبر لأولئك الشباب بعد أن أذاعت الحكومة الجزائرية على شاشة التلفاز كلام أئمة العصر الثلاثة: الألباني، وابن باز، وابن عثيمين في النهي عن هذا الخروج الآثم وتحريمه. وقد وافق ذلك صدور عفو من الرئيس بوتفليقة عن كل من ألقى السلاح وسلم نفسه؛ مع ضمانات كافية لذلك، فسلم آلاف الشباب أنفسهم، وتابوا من مسلك الخوراج؛ بعد أن قتل من المسلمين الأبرياء أكثر من مائة وخمسين ألفاً. وقد عرف كل لبيب عاقل أن منهج مصابيح الدنيا وأفراد العصر ابن باز والألباني وابن عثيمين في الحكم على الحكام، والتعامل معهم، والسبيل إلى الوصول إلى عز الإسلام، واستعادة مجده الغابر؛ هو الحق، وأن المناهج الثورية والسياسية والخارجية لا تصب في مصلحة الإسلام والمسلمين، بل هي سم ناقع وبلاء واقع على هذه الأمة. كيف لا يعتبر الإنسان مهما كان غبيّاً بليداً بهذا الذي حدث في الجزائر؛ من الإقدام على الخروج على الحاكم ثم التراجع عنه؛ مع ما خلفه من مآسٍ ، وويلات وأحزان، ودماء وفساد!!
إن في هذه الأحداث الرهيبة المرعبة ما يستدعي من كل من له أدنى مسكة عقل أن يرجع إلى كبار العلماء من بداية الأمر، ويترك قادة الخوارج يجعجعون في الهواء؛ ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ﴾[النحل: 25].
(2)(1) "مدارك النظر في السياسة بين التطبيقات الشرعية والانفعالات الحماسية " (ص300).
|
|
|
 |
|
| |
|
|
|
|
|
|