إستبيان


ممتاز
جيد
عادي
سيىء


روضة السلفيين » مقالات » نصائح للإخوة التبليغيين (28)

نصائح للإخوة التبليغيين (28)

 
بسم الله الرحمن الرحيم
( نصيحة 28) التحذير من التحديث بما لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث .

أنصحك أخي التبليغي أن تتأكد من صحة أي حديث تريد أن تحدث به الناس قبل بثه ونشره بينهم حذرا من أن يشملك وعيد الأحاديث التالية :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ " رواه مسلم .
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ حَدَّثَ عَنِّى بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ " رواه مسلم .
وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار " أخرجه ابن حبان وقال شعيب الأرنؤوط : إسناده حسن.
قال الحافظ ابن حبان في صحيحه (ج 1 / ص 210):" ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى صلى الله عليه و سلم وهو غير عالم بصحته" ثم روى قوله صلى الله عليه وسلم :" من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار "انتهى .
وقال الحافظ ابن حبان - أيضا - في "المجروحين" (ج 1 / ص 7):
"عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من روى عنى حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " في هذا الخبر دليل على صحة ما ذكرنا أن المحدث إذا روى ما لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم مما تقول عليه، وهو يعلم ذلك يكون
كأحد الكاذبين، على أن ظاهر الخبر ما هو أشد من هذا وذاك أنه قال - صلى الله عليه وسلم: " من روى عنى حديثا وهو يرى أنه كذب " ولم يقل: إنه تيقن أنه كذب. فكل شاك فيما يرفع أنه صحيح أو غير صحيح داخل في ظاهر خطاب هذا الخبر، "انتهى.

وقال المناوي في "فيض القدير" (ج 6 / ص 116):
" ( يرى ) بضم ففتح يظن وبفتحتين ذكره بعضهم ( فهو أحد الكاذبين ) بصيغة الجمع باعتبار كثرة النقلة وبالتثنية باعتبار المفتري والناقل عنه والأول كما في الديباج أشهر فليس لراوي حديث أن يقول قال الرسول إلا إن علم صحته ويقول في الضعيف روى أو بلغنا فإن روى ما علم أو ظن وضعه ولم يبين حاله أيدرج في جملة الكذابين لإعانته المفتري على نشر فريته فيشاركه في الإثم كمن أعان ظالما ولهذا كان بعض التابعين يهاب الرفع ويوقف قائلا الكذب على الصحابي أهون" انتهى مختصرا .

ولا تظنن أن ما يذكره بعض العلماء بأن الحديث الضعيف يجوز العمل به في فضائل الأعمال أنه يسوغ لك نقل الأحاديث النبوية للناس بدون تثبت وتأكد من صحتها لأنك إذا رويت الحديث الضعيف عند العلماء لا بد أن تذكره بصيغة التمريض.

قال الحافظ ابن الصلاح في مقدمته ( ص 19):
"إذا أردت رواية الحديث الضعيف بغير إسناد فلا تقل فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا و كذا، وما أشبه هذا من الألفاظ الجازمة بأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك. وإنما تقول فيه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أو بلغنا عنه كذا وكذا، أو ورد عنه أو جاء عنه أو روى بعضهم أو ما أشبه ذلك. وهذا الحكم فيما تشك في صحته وضعفه، وإنما تقول " قال رسول صلى الله عليه وسلم " فيما ظهر لك صحتة بطريقه الذى أوضحنا أولاً، والله أعلم".
وقال الحافظ النووي في المجموع - (ج 1 / ص 63):
" صيغة الجزم تقتضي صحته عن المضاف إليه فلا ينبغي أن يطلق إلا فيما صح وإلا فيكون الإنسان في معنى الكاذب عليه وهذا الأدب أخل به المصنف وجماهير الفقهاء من أصحابنا وغيرهم بل جماهير أصحاب العلوم مطلقا ما عدا حذاق المحدثين وذلك تساهل قبيح "انتهى .

وفي الحقيقة لا يصلح الاكتفاء بذكر الحديث الضعيف بصيغة التمريض عند العوام الذين لا يفهمون مغزاها ولا المقصود منها فلا بد أن تصرح بضعف الحديث إذا ما نقلته إليهم قال العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني في تمام المنة - (ص 40):
" إذا كان من المسلم به شرعا أنه ينبغي مخاطبة الناس بما يفهمون ما أمكن وكان الاصطلاح المذكور عن المحققين لا يعرفه أكثر الناس فهم لا يفرقون بين قول القائل : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وقوله : " روي عن رسول الله في صلى الله عليه وسلم " لقلة المشتغلين بعلم السنة فإني أرى أنه لا بد من التصريح بصحة الحديث أو ضعفه دفعا للإيهام كما يشير إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " دع ما يريبك إلى مالا يريبك " رواه النسائي والترمذي وهو مخرج في " إرواء الغليل " ( 2074 ) وغيره" انتهى كلام الألباني .

وقال الإمام أبو شامة في "الباعث على إنكار البدع والحوادث" (ص 75):" ولكنه جرى في ذلك على عادة جماعة من أهل الأحاديث يتساهلون في أحاديث فضائل الأعمال وهذا عند المحققين من أهل الحديث وعند علماء الأصول والفقه خطأ بل ينبغي أن يبين أمره إن علم وإلا دخل تحت الوعيد في قوله صلى الله عليه و سلم: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"انتهى .

ثم إنك عليك أن تنتبه أن الحديث الذي تنقله للناس إذا كان ضعيفا أنه ليس موضوعا ولا شديد الضعف ولا يشتمل على حكم شرعي من الأحكام الخمسة ولا تعتقد أنت ثبوته وكذلك عليك أن تنبه من يسمعك على ضعفه حتى لا يعتقد ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (ج 1 / ص 250):
" لا يجوز أن يعتمد فى الشريعة على الأحاديث الضعيفة التى ليست صحيحة ولا حسنة لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى فى فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقا ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبا أو مستحبا بحديث ضعيف ومن قال هذا فقد خالف الإجماع
وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شيء إلا بدليل شرعي لكن إذا علم تحريمه وروى حديث في وعيد الفاعل له ولم يعلم أنه كذب جاز أن يرويه فيجوز أن يروي في الترغيب والترهيب ما لم يعلم أنه كذب لكن فيما علم أن الله رغب فيه أو رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله وهذا كالإسرائيليات يجوز أن يروي منها ما لم يعلم أنه كذب للترغيب والترهيب فيما علم أن الله تعالى أمر به في شرعنا ونهى عنه في شرعنا فأما أن يثبت شرعا لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت فهذا لا يقوله عالم ولا كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه ولكن كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين صحيح وضعيف والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به وإلى ضعيف حسن كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال وإلى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام صحيح وحسن وضعيف هو أبو عيسى الترمذي فى جامعه والحسن عنده ما تعددت طرقه ولم يكن في رواته متهم وليس بشاذ فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفا ويحتج به ولهذا مثل أحمد الحديث الضعيف الذي يحتج به بحديث عمرو بن شعيب وحديث إبراهيم الهجرى ونحوهما وهذا مبسوط فى موضعه ".

وقال الإمام الشاطبي في "كتاب الاعتصام" (ج 1 / ص 171)
"فإذاً هذا الترغيب الخاص يقتضي مرتبة في نوع من المندوب خاصة ، فلا بد من رجوع إثبات الحكم إلى الأحاديث الصحيحة بناءً على قولهم : إن الأحكام لا تثبت إلا من طريق صحيح والبدع المستدل عليها بغير الصحيح لا بد فيها من الزيادة على المشروعات كالتقييد بزمان أو عدد أو كيفية ما . فليزم أن تكون أحكام تلك الزيادات ثابتة بغير الصحيح ، وهو ناقض لما أسسه العلماء .
ولا يقال : إنهم يريدون أحكام الوجوب والتحريم فقط . لأنا نقول هذا تحكم من غير دليل ، بل الأحكام خمسة ".

وقال الشيخ علي القاري في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" - (ج 5 / ص 463):
" الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل وإن لم يعتضد إجماعا كما قاله النووي محلة الفضائل الثابتة من كتاب أو سنة".

وقد ذكر الحافظ السخاوي في آخر كتابه " القول البديع في فضل الصلاة على الحبيب الشفيع " عن شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني أن شرائط العلم بالضعيف ثلاثة :
1- الأول : متفق عليه أن يكون الضعف غير شديد ، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ، ومن فحش غلطه .
2- الثاني : أن يكون مندرجا تحت أصل عام ، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل أصلا .
3- أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته لئلا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله .قال : والأخيران عن ابن عبد السلام وعن صاحبه ابن دقيق العيد والأول نقل العلائي الاتفاق عليه.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في رسالته " تبيين العجب بما ورد في شهر رجب ":
" ، ولكن اشتهر أن أهل العلم يتسامحون في إيراد الأحاديث في الفضائل وإن كان فيها ضعف، ما لم تكن موضوعة. وينبغي مع ذلك اشتراط أن يعتقد العامل كون ذلك الحديث ضعيفا، وأن لا يشهر بذلك، لئلا يعمل المرء بحديث ضعيف، فيشرع ما ليس بشرع، أو يراه بعض الجهال فيظن أنه سنة صحيحة.
وقد صرح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمد بن عبد السلام وغيره. وليحذر المرء من دخوله تحت قوله صلى الله عليه وسلم: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين". فكيف بمن عمل به.
ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام، أو في الفضائل، إذ الكل شرع"انتهى.

فمن لم يلتزم بهذه الشروط لا يجوز له أن ينقل الحديث الضعيف للناس ومن العلماء من لم يجز العمل بالحديث الضعيف مطلقا حتى ولو كان في فضائل الأعمال.
قال العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني تغمده الله برحمته في كتابه "تمام المنة في تخريج أحاديث فقه السنة" - (ص 23):
"القاعدة الثانية عشرة ترك العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال اشتهر بين كثير من أهل العلم وطلابه أن الحديث الضعيف يجوز العمل به في فضائل الأعمال .
ويظنون أنه لا خلاف في ذلك .
كيف لا والنووي رحمه الله نقل الاتفاق عليه في أكثر من كتاب واحد من كتبه ؟ وفيما نقله نظر بين ، لأن الخلاف في ذلك معروف ، فإن بعض العلماء المحققين على أنه لا يعمل به مطلقا ، لا في الأحكام ولا في الفضائل .
قال الشيخ القاسمي رحمه الله في " قواعد التحديث " ( ص 94 ) : " حكاه ابن سيد الناس في " عيون الأثر " عن يحيى بن معين ، ونسبه في " فتح المغيث " لأبي بكر بن العربي ، والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضا . . . وهو مذهب ابن حزم . . . " .
قلت : وهذا هو الحق الذي لا شك فيه عندي لأمور : الأول : أن الحديث الضعيف إنما يفيد الظن المرجوح ، ولا يجوز العمل به اتفاقأ ، فمن أخرج من ذلك العمل بالحديث الضيف في الفضائل لابد أن يأتي بدليل ، وهيهات ! ...إلخ " انتهى .

وفقنا الله جميعا لسلوك سبيله الموصل إلى مرضاته وجنته دار كرامته .

كتبه أبو معاوية غالب الساقي
 
 
طباعة