|
|
|
|
|
|
|
|
 |
|
| |
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، والشكر له كما يجب لجزيل نعمائه، وكثير ألطافه، والصلاة والسلام على نبيّه ورسوله، محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه.
إن الله تعالى لما جعل الرجال قوامين على النساء رتَّب على هذه القوامة بعض الأحكام الشرعية تعود تكاليفها إلى اشتراط الذكورة، فلم يكن ذلك منه –تعالى- انتقاصًا للمرأة، إنما رفعًا للحرج عنها، تماشيًا مع سنَّة التكليف بما يطاق. ومن ضمن تلك الأحكام التي انفرد بها الرجال بالتكليف دون النساء ـ على قلَّتها ـ الإمامة الصغرى، إلا أنَّ ضوضاء الحداثيين لم تستثن هذه المسألة؛ بحجة المساواة التي يُضمرون تحتها الإهانة للمرأة نفسها بعد تكريم الإسلام لها، فقام فريق منهم ـ بحجة المقاصد ـ بِليِّ النصوص الدينية حتى تتلاءم مع أهوائهم، وفريق آخر لم يذخر أصحابه جهدًا في التفتيش عن خبر واحد ـ على ضعفه ـ كي يستندوا إليه في تعزيز مذهبهم، وتشريع أباطيلهم.
وفي هذا المقال سأحاول ـ بعون الله تعالى ـ الإبانة عن هشاشة الأدلة التي اعتمدوها في تجويز إمامة المرأة مطلقا، خصوصا لمَّا تفاقم الوضع، فسمعنا عن امرأة أمَّت مصلِّين رجالا ونساء مختلطين لصلاة الجمعة، بمركز إسلامي في مدينة أوكسفورد ببريطانيا.
والشبهة التي استند إليها هؤلاء -في تجويز الإمامة الصغرى للمرأة- فهمهم الخاطئ للحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن "أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَتْ قَدْ جَمَعَتْ الْقُرْآنَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا، وَكَانَ لَهَا مُؤَذِّنٌ، وَكَانَتْ تَؤُمُّ أَهْلَ دَارِهَا". فظاهر الحديث يقضي بصحة إمامة المرأة أهل دارها، وفيهم المؤذن، الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قيِّما بالأذان لصلاتها، لحديث عبد الرحمن بن خَلَّادٍ:"وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزُورُهَا فِي بَيْتِهَا، وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَأَنَا رَأَيْتُ مُؤَذِّنَهَا شَيْخًا كَبِيرًا".
والغريب في الأمر أن القوم زعموا بأن أمَّ ورقة كانت تؤمُّ قومها، وظاهر الحديث ناطق بالعبارة الصريحة أن رسول صلى الله عليه وسلم إنما أذِنَ لها أن تؤم أهل دارها فقط دون المؤذن، لأنه لو جاز لها أن تؤمَّ المؤذن ـ في حالة ما إذا كان أجنبيا عنها ـ لجاز لها من باب أولى أن تُؤذن بنفسها، فلم تكن الحاجة داعية إلى تخصيص مؤذن لها أصلا، وهذا ما تنبَّه إليه الإمام أحمد حين قال:"لا تَؤُمَّنَّ امرأة رجلا، ولأنها لا تؤذن للرجال فلم يجز لها أن تؤمهم". ومن استدل بحديث عطاء عن أمنا عائشة رضي الله عنها، أنها كانت تؤذن وتقيم، فإنما كانت تؤذن للنساء، فتؤمهن وتقوم وسطهن، ولا تجهر بصوتها إلا بالقدر الذي تُسمع به غيرها من النساء، لذا قال العلماء إن أذنت المرأة للرجال لم يجز عنهم، وفضلا عن هذا كثيرة هي النصوص الحديثية الدالة على أن المرأة لا يصح لها أن تؤم الرجال، كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث:"أَلَا لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا...الحديث" وقوله عليه السلام:"الرَّجُلُ أَحَقُّ بِصَدْرِ دَابَّتِهِ، وَصَدْرِ فِرَاشِهِ، وَأَنْ يَؤُمَّ فِي رَحْلِهِ".
ثم إن النبي -عليه الصلاة والسلام- حرَّم الخلوة بالأجنبية، إلا أن تكون مع ذي محرم، حين قال:"لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". فكيف يُجوِّز عليه السلام لأمِّ ورقة أن تؤمَّ مؤذنا في بيتها، وتخلُّف أهل دارها عنهما أمر محتمل، وكثيرة هي المناطق التي يتخلف ناسُها عن صلاة الصبح في المساجد، فلا يشهد الجماعة أحيانا إلا الإمام والمؤذن، فماذا لو تنازلنا لهم، وقلنا بشرعية إمامة المرأة في الصلاة الجامعة، أمَا سيكون أمر الاختلاء مُشاعا في المساجد؟! لذا فإن الحق هو الذي جاء به الإسلام، وما عداه فحق يراد به بهتان، ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا خصَّص لأمِّ ورقة مؤذنًا، فلا يعني أن هذا المؤذن كان يخلو بها.
وبتتبع تصرفات الشريعة يمكن القول: إن المؤذن إنما كان يؤذن قرب دارها، فتصلي بأهلها في بيتها، كما كانت تصنع امرأة من بني النجار التي قالت:"كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ...".، وإما أنها كانت تخرج إلى مسجدها عند سماع نداء الصلاة عندما يتيسَّر لها المُضي برفقة أهل دارها، كما كانت تصنع أم حميد الأنصارية التي قالت:"يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، قَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي، قَالَ فَأَمَرَتْ، فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنْ بَيْتِهَا، وَأَظْلَمِهِ، فَكَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ". وإن قالوا: بل المؤذن من محارم أمِّ ورقة، فإنهم بهذا الاعتراض سيبطلون أصلهم، فلا يسعهم إلا الرجوع عن قولهم، فلا يكون النزاع ـ بعد ذلك ـ جاريًا على إمامة المرأة في المسجد، وإنما على إمامتها في دارها، والشارع لمّا جعل صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، فبعدما جوَّز لها أن تؤمَّ نظائرها من النساء فقط، كما بينا.
ونحن إذا علمنا أن المرأة لا تجب عليها الصلاة جماعة في المسجد -لقوله عليه الصلاة والسلام:"صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا". وأنه لا جمعة عليها شرعًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:"الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً، عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ". بطل قولهم في تجويز الإمامة لها، إذ كيف يُشرِّع الإسلام للنساء الإمامة الصغرى، وهنَّ لا جماعة عليهن ولا جمعة.
والدارس للفقه الإسلامي يلحظ أن الجم الغفير من العلماء أبطلوا إمامة المرأة في الصلاة الجامعة للمصلِّين، فالإمام أبو حنيفة كان يبطل صلاة من يلي المرأة من الرجال، ومن يحاذيها، ومن يأتي وراءها، وهو المذهب الذي عوّل عليه الحنفية قاطبة، وكذا الإمام مالك وأصحابه، أما الإمام الشافعي فقالها صراحة: "وليست المرأة ممن لها أن تكون إمام جماعة كاملة". وهو مذهب عامة الحنابلة؛ لقول عبد الله بن قدامة:"وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال، في فرض ولا نافلة، في قول عامة الفقهاء".
وهذا الاتفاق الحاصل من لدن الفقهاء هو بمثابة إجماع على إبطال إمامة المرأة في الصلاة الجامعة للمصلِّين، لأنه لو كان جائزًا لنقل ذلك عن الصدر الأول، ثم لمَّا كانت سنة النساء في الصلاة التأخير عن الرجال علم أنه ليس يجوز لهنَّ التقدُّم عليهم، وقد جاءت الأحاديث صريحة في تشريع هذه السنة، فعن أبي مالك الأشعري قال لقومه:"أَلَا أُصَلِّي لَكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَفَّ الرِّجَالُ، ثُمَّ صَفَّ الْوِلْدَانُ خَلْفَ الرِّجَالِ، ثُمَّ صَفَّ النِّسَاءُ خَلْفَ الْوِلْدَانِ". وقوله تعالى:"وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ". [الحجر آية: 24] إنما نزلت ـ كما قال ابن عباس ـ في :"امْرَأَةٍ حَسْنَاءٍ كَانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ بَعْضُ الْقَوْمِ يَسْتَقْدِمُ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِئَلَّا يَرَاهَا، وَيَسْتَأْخِرُ بَعْضُهُمْ حَتَّى يَكُونَ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ، فَإِذَا رَكَعَ نَظَرَ مِنْ تَحْتِ إِبْطَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي شَأْنِهَا: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ".
وكثيرا ما كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يحتاطون دون الاختلاط بالنساء في المسجد، فكانوا يتسابقون إلى الصفوف الأولى؛ امتثالا لأوامر النبي عليه الصلاة والسلام الذي قال:"خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا". كما أنه عليه السلام كان يأمر النساء بعدم رفع رؤوسهن حتى يتم الرجال جلوسهم؛ درءًا للفتنة، لقول سهل بن سعد:"كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ عَاقِدُوا أُزْرِهِمْ مِنْ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا". وإنَّما نهى النساء عن ذلك لئلا يلمحن عند رفع رءوسهن من السجود شيئا من عورات الرجال بسبب ذلك عند نهوضهم. والذي يدل عليه قوله عليه الصلاة السلام:"يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ إِذَا سَجَدَ الرِّجَالُ فَاغْضُضْنَ أَبْصَارَكُنَّ لَا تَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ مِنْ ضِيقِ الْأُزُرِ".
ثم إنه عليه الصلاة والسلام خصَّص للنساء بابا يدخلن منه إلى المسجد، لحديث عبد الله بن عمر قال:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ". وفي الحديث دلالة واضحة على أن النساء لم يختلطن بالرجال في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كنَّ يعتزلن في جانب المسجد، ويصلين بالاقتداء مع الإمام، والتزم الخلفاء الراشدون من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهى الرجال أن يدخلوا المسجد من باب النساء، كذلك صنع صغار الصحابة، كعبد الله بن عمر.
والنساء على عهد النبوة أيضا امتثلن أوامره عليه السلام، فكنَّ يدخلن المسجد للصلاة ويخرجن منه فلا يشعر بهن أحد من المصلين، فقد روي عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْفَجْرَ فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ". وكنَّ يخرجن من المسجد قبل خروج الرجال حتى لا يختلطن بهم، فعن أم سلمة:"أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنْ الصَّلَاةِ قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ الرِّجَالُ".
ولا شك أن هذه النصوص الحديثية شافية للغليل، صريحة في الإبانة عن وظيفة المرأة في المسجد، فلا الشارع حرمها من حضور الجماعة، ولا هو ألزمها بالإمامة، ولا أعلم من خالف هذه السنة الجارية بجريان القوامة في الرجال إلا شرذمة من العلماء لم يتقيدوا بمذهب، كأبي إبراهيم المزني، وإبراهيم الكلبي المكنى أبا ثور من أصحاب الإمام الشافعي الذَيْنِ جوزا إمامة المرأة في صلاة التراويح دون الفرائض، في حالة ما إذا لم يحضر من يحفظ القرآن، استدلالا بحديث أم ورقة، وهذا استنباط لا يستقيم مع سياق الحديث، لأنه عليه الصلاة والسلام إنمَّا خصَّص لأم ورقة مؤذنا، وكما هو معلوم الأذان إنما شُرع في الفرائض دون النوافل، فلا يكون ما ذهبا إليه سديدا. إضافة إلى أن مجرد أذانه لصلاة أم ورقة لا يعني أنه كان يصلي مقتديا بإمامتها، وإن كانت أحفظ منه قرآنا، فأمنا عائشة رضي الله عنها كانت أحفظ منها، ومع ذلك كان عبدها ذكوان يؤمُّها في صلاة التراويح وهو يقرأ في المصحف، للحديث الذي أخرجه الإمام مالك بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه:"أَنَّ ذَكْوَانَ أَبَا عَمْرٍو، وَكَانَ عَبْدًا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْتَقَتْهُ عَنْ دُبُرٍ مِنْهَا، كَانَ يَقُومُ يَقْرَأُ لَهَا فِي رَمَضَانَ". ثم إن أبا ثور والمزني رحمهما الله وإن كانا معدوديْن في طبقات الشافعية فلهما آراء مستقلة لا يُعد تفردهما بها وجها عند الشافعية.
والنبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يأذن للنساء بالتسبيح عند سهو الإمام، وأمرهن فقط بالتصفيق حين قال للناس:"إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ، وَلْيُصَفِّحْ النِّسَاءُ" وفي رواية "مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ". فكيف يأذن لهن بالإمامة والخُطبة في الرجال ليوم الجمعة. وحكا ابن عبد البر عن أهل العلم: "إنما كره التسبيح للنساء، وأبيح لهن التصفيق... ربما شغلت بصوتها الرجال المصلِّين معها".
فإذا تجاوزت النساء هذه الحدود التي بينتها السنة النبوية فإن أهل العلم كرهوا خروجهن إلى المساجد، بدءًا من أمنا عائشة رضي الله عنها، التي فسَّرت قوله عليه الصلاة والسلام:"لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ وَلَوْ رَأَى حَالَهُنَّ الْيَوْمَ مَنَعَهُنَّ". والمرأة غير التفلة - المتطيبة - إنما مُنعت مساجد الله؛ لئلا تحرك داعي الشهوة في الرجال، فكيف بمن تدخل عليهم إلى المسجد بكامل طيبها بحجة المساواة، والفقهاء لمَّا كرهوا خروجهن إنما لأجل أنهن تجاوزن آداب البيوت التي أذن الله تعالى أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فقد نقل أشهب عن الإمام مالك أنه كان يكره إكثار المرأة الشابة من الخروج إلى المسجد. وعن أبي حنيفة أنه كان يكره شهود النساء الجمعة والصلاة المكتوبة في الجماعة، ورخَّص للعجوز الكبيرة وهو ما ذهب إليه سفيان الثوري، والقاضي أبو يوسف كره خروجهن في صلاتي الكسوف والاستسقاء.
ولا شك أن العارف بأحوال هؤلاء الأئمة يعلم أن مقصدهم من أقوالهم تلك هو مقصد شرعي لا يخالف قوله عليه الصلاة والسلام:"لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ". إلا من حيث الظاهر، والدارس لمدوناتهم الفقهية يجدهم يستدلون بهذا الحديث - من حيث المبدأ - على جواز خروج المرأة إلى المسجد، سواء كانت صغيرة أو كبيرة؛ لأن الأصل في خروجها الجواز لا المنع، أما من حيث ما يطرأ عليها من تجاوزات مخلة بآداب المساجد فإن الفقهاء كرهوا خروجها، ولو بلغهم ما يدعو إليه الحداثيون اليوم من الأمور المخلّة بثوابت الشريعة، كالدعوة إلى الاختلاط بين الرجال والنساء في المساجد، والرغبة في تشريع الإمامة لها، لمنعوا النساء من دخول المساجد، فأمنا عائشة رضي الله عنها قالت:"لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَهُ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ". ونساء بني إسرائيل لم يمنعن المساجد لجرم كبير اقترفنه، إنما لمجرد أنهن اتخذن أرجلا من خشب يتشرفن للرجال في المساجد ، فكيف بمن أراد منهن أكبر من ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله المصدر : الإسلام اليوم .
|
|
|
 |
|
| |
|
|
|
|
|
|